الى أبونا يوسف: في صوتكَ... صبركَ... كبريائكَ/ هديل نوفل

 



إلى أبونا… الذي يشبه العراق 

العراقُ ليس وطناً،

العراقُ امرأةٌ

إذا مشتْ

اهتزّ التاريخُ تحت كعبيها،

وتعثّر الزمنُ

بخطوتها الأولى.

امرأةٌ

سرّحت شعرها

فانسدل دجلةُ حريراً أزرق،

وغسلت وجهها

فاستيقظ الفراتُ

من نوم الأساطير.

أيُّ امرأةٍ هذه

التي تضع بابلَ

قرطاً من ذهبٍ في أذنها،

وتعلّق آشورَ

قلادةً من نارٍ

على صدرها،

وتخطّ سومرَ

وشماً أبدياً

على معصم الطين؟

أيُّ امرأةٍ

كانت تعرف الكتابة

قبل أن يعرف العالم

كيف ينطق اسمه؟

وتخترع الأبجدية

كي لا يضيع الحبّ

بين قبيلتين؟

في العراق

لم تكن الحضارةُ معجزةً،

كانت زينتها اليومية،

كانت تمشي

بطين سومر

كأنه عطرٌ ملكيّ،

وتكتب بالقلم المسماري

رسائل عشقٍ

إلى الأبد…

إلى ما بعد الأبد.

هذه امرأةٌ

إذا ابتسمت

أزهرت النخيلُ حتى آخر الجنوب،

وإذا بكت

تحوّل المطرُ

إلى قصيدةٍ

تُتلى على أبواب السماء.

امرأةٌ

جرّبوا أن يحاصروها،

فحاصرتهم بلغتها.

جرّبوا أن يكسّروا أساورها،

فاكتشفوا

أن أساورها

مصنوعة من زمنٍ لا يُكسَر.

العراقُ ليس ماضياً نبكيه،

العراقُ جسدٌ

كلّما طعنوه

أنجبَ حضارةً جديدة،

كلّما أطفأوه

أشعلَ شمساً أخرى.

هو امرأةٌ

لا تموت…

تبدّل ثوبها فقط،

وتخرج إلينا

بألف اسم،

وألف أسطورة،

وألف قصيدةٍ

ترفض أن تُهزم.

في عينيها

تجلس أورُ

كملكةٍ لا تنام،

وفي ضفائرها

تختبئ الأساطير

كأطفالٍ خائفين من الغياب،

وفي شفتيها

ينام أوّل قانون

كتبه البشر

كي لا يضيع العدل

في زحام القوة.

إذا سألوك عن العراق

فلا تقل وطن.

قل لهم:

هي المرأةُ الوحيدة

التي علّمت البشرية

كيف يكون الخلود

عادةً يومية.

قل لهم:

هي الأنثى

التي أنجبت اللغة،

وأرضعت الشعر،

وربّت التاريخ

على كتفيها

كما تُربّي الأمُّ طفلها الأول.

قل لهم:

العراقُ

ليس بلداً خرج من حرب،

بل امرأةٌ

كلّما احترقت

أضاءت،

وكلّما سقطت

وقفت

أطولَ من السقوط.

وأنا 

حين رأيتُك يا أبونا…

فهمتُ.

فهمتُ

أن في صوتكَ

شيئاً من دجلة،

وفي صبركَ

شيئاً من النخيل،

وفي كبريائكَ

شيئاً من تلكَ جبلة الطين 

التي اسمها الغراق

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق