مقدمة
مدرسة فرانكفورت، المعروفة بنظرية النقد ، وفكر ما بعد 1968 في فرنسا (الذي يشمل ما بعد البنيوية عند جاك دريدا وميشيل فوكو وجيل دولوز وجان فرانسوا ليوتار وغيرهم)، من أبرز التيارات الفلسفية والاجتماعية التي شكلت النقد الراديكالي للحداثة الرأسمالية والسلطة في القرن العشرين. يركز كلاهما على فاعلية نقدية تتجاوز الوصف إلى التحويل، لكنهما يختلفان في المنهج والأسس الأنطولوجية والسياسية. لذلك نشأت مدرسة فرانكفورت في ثلاثينيات القرن الماضي مع معهد البحوث الاجتماعية، تحت تأثير ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو وهربرت ماركوزه، ثم تطورت مع يورغن هابرماس. أما فكر 68 الفرنسي فهو مرتبط بأحداث ماي 1968 الطلابية والعمالية، ويمثل تحولاً نحو تفكيك الأنساق الكبرى والحفر الأركيولوجي والجينيالوجي في المرجعيات. تكمن أهمية المقارنة في فهم كيفية تعامل تيارين نقديين مع أزمات الحداثة: العقل الآلي، السلطة، الرأسمالية، والتحرر. يشتركان في الجذور (هيغل، ماركس، نيتشه)، لكنهما يتباعدان في الاستراتيجية النقدية. فكيف يمثلان سياقين نقديين في مواجهة الحداثة المشوهة والمغلوطة؟
أوجه الشبه: النقد المشترك للحداثة والسلطة
أولاً: نقد العقل الآلي والتقدم الحداثي
تشترك المدرستان في رفض "العقل الآلي". في جدل التنوير لهوركهايمر وأدورنو، يتحول التنوير إلى أسطورة جديدة، حيث يصبح العقل أداة للسيطرة على الطبيعة والإنسان، مما يؤدي إلى "إدارة العالم" وصناعة الثقافة التي تحول الفرد إلى كائن متجانس. هذا النقد يلتقي مع نقد فوكو لـ"السلطة/المعرفة"، حيث يرى أن العقل الحداثي ينتج أنساقاً تأديبية في السجون، المستشفيات، والمدارس. كما يلتقي مع ليوتار في إعلان نهاية "الروايات الكبرى" للتقدم.
ثانياً: التأثر المشترك بهيغل وماركس ونيتشه
كلا التيارين يعيدان قراءة هيغل (الجدل) وماركس (الاغتراب والرأسمالية) ونيتشه (نقد الأخلاق والسلطة). فرانكفورت تدمج ماركس مع فرويد لتحليل الاغتراب النفسي، بينما يستلهم الفرنسيون نيتشه للجينيالوجيا (فوكو) أو الفرق والتكرار (دولوز). يشتركان في رؤية النقد كممارسة تحررية أنثروبولوجية وعملية وتحررية، كما حددها هوركهايمر.
ثالثاً: الفاعلية النقدية كمقاومة للهيمنة
الفاعلية النقدية في كليهما ليست محايدة؛ بل هي ملتزمة بكشف آليات السيطرة الخفية. فرانكفورت تركز على "النقد السلبي" (الجدل السلبي عند أدورنو) الذي يرفض التوفيق الزائف، بينما يمارس الفرنسيون "التفكيك" (دريدا) أو "الحفر" (فوكو) لإظهار التناقضات الداخلية في الأنساق. كلاهما يرى السلطة منتشرة (مجهريا عند فوكو، صناعة الثقافة عند أدورنو).
رابعاً: الالتزام بالتحرر
رغم الاختلافات، يظل الهدف التحرري مشتركاً: تحرير الإنسان من أشكال الاستعباد الحديثة، سواء عبر "الفعل التواصلي" (هابرماس) أو عبر "الخروج" والمقاومة المتناهية (دولوز وغاتاري).
أوجه الاختلاف: المنهج، الأساس، والنتائج
أولاً: المنهج – الجدل مقابل التفكيك والجينيالوجيا
تعتمد فرانكفورت على الجدل الديالكتيكي الذي يحافظ على التوتر بين الذات والموضوع، مع الإيمان بإمكانية "الإنقاذ" عبر العقل النقدي (رغم تشاؤم أدورنو). أما فكر 68 فيعتمد على تفكيك الأنساق (دريدا) الذي يظهر عدم الاستقرار في المعنى والثنائيات (حضور/غیاب)، والحفر الأركيولوجي/الجينيالوجي (فوكو) الذي يفحص تشكل المعارف والسلط كممارسات تاريخية دون أساس أبدي. هذا يجعل النقد الفرنسي أكثر راديكالية في رفض أي "أساس" ثابت.
ثانياً: مفهوم الذات والعقل
فرانكفورت (خاصة هابرماس) تحافظ على فكرة الذات المستقلة القادرة على التواصل الحر والإجماع العقلاني، رغم نقد الذاتية المتضخمة. أما ما بعد البنيوية فتعلن "موت الذات" أو تشتتها ، وترى العقل نفسه منتجاً للسلطة. هابرماس ينتقد فوكو ودريدا بـ"التناقض الأدائي": كيف يمارسون النقد إذا لم يفترضوا معايير عقلانية؟
ثالثاً: النظرة إلى السلطة والتاريخ
في فرانكفورت، السلطة مرتبطة بالرأسمالية والعقل الآلي، مع إمكانية تحرر جماعي عبر الوعي النقدي. أما فوكو فيرى السلطة منتشرة ومنتجة ، لا مجرد قمعية، والتاريخ ليس تقدماً أو انحطاطاً بل انقطاعات. دريدا يركز على التأجيل في النصوص والمرجعيات، مما يجعل النقد لا نهائياً دون هدف نهائي.
رابعاً: الالتزام السياسي والعملي
كانت فرانكفورت أكاديمية نسبياً (رغم تأثير ماركوزه على الحركات الطلابية)، وتركز على النظرية. أما فكر 68 فمرتبط مباشرة بالانتفاضات، ويؤكد على الممارسات المحلية والمتناثرة (الثورات الجزيئية) عند دولوز). فرانكفورت تسعى إلى "نظرية نقدية" موحدة نوعاً ما، بينما الفرنسيون يرفضون النظريات الكلية.
خامساً: موقف من التنوير
فرانكفورت تنتقد التنوير لكنها تحاول إنقاذه (هابرماس: "مشروع الحداثة غير مكتمل"). أما الفرنسيون فيعلنون "نهاية الحداثة" أو يفككونها جذرياً. لكن رغم الخصومة ببن هابرماس وفوكو، هناك تقاطعات متزايدة في الأجيال اللاحقة لفرانكفورت، مثل استخدام الجينيالوجيا لتعزيز النقد. يرى بعض المفكرين أن كلا التيارين يشتركان في "نقد الحداثة من الداخل". يوفر فرانكفورت أدوات اجتماعية-اقتصادية، بينما يقدم الفرنسيون أدوات ميكرو-سياسية ولغوية.
خاتمة:
يمثل النقد في مدرسة فرانكفورت فاعلية ديالكتيكية تسعى إلى التحرر عبر إعادة بناء العقل، بينما يمثل فكر 68 فاعلية تفكيكية وحفرية تكشف عدم الاستقرار الجذري لكل أنساق السلطة والمعرفة. الشبه في الجذور والالتزام النقدي، والاختلاف في المنهج والأساس الأنطولوجي. في عصر الأزمات العالمية اليوم (رأسمالية معرفية، سلطة رقمية، أزمة بيئية)، يظل الإرث المشترك مصدر إلهام لنقد يجمع بين التحليل الشمولي والتفكيك المحلي، بين النظرية والممارسة. هذه المقارنة تذكرنا بأن الفاعلية النقدية ليست خياراً واحداً، بل طيفاً غنياً من الاستراتيجيات في مواجهة السيطرة المستمرة. فكيف تشكل إرثا نقديا مزدوجا؟
كاتب فلسفي




0 comments:
إرسال تعليق