كانت الحاجّة أم ابراهيم مهنا حيدر، رحمة الله عليها، أميّة مثل أغلب سيّدات جيلها في كونين ـ جنوب لبنان ـ حتى سبعينات القرن العشرين، لكنّها من ضمن حالات نادرة تستمع للأخبار بإهتمام وتتحدّث بالسياسة كأنّها خبيرة أو هي قولوا "من أهل الكار".
وفي سهرة كان حديث في النظام الطائفي اللبناني، دخلتْ على الخطّ وهي تقدّم بلّوطاً مشويّاً على الصوبيا، أدلت بدلوها وقالت وهم أصغوا أن طبيب عيون كان يتردّّد إليه فلاّح شاكياً وجعاً في إحدى عينيه، وفي كلّ مرّة يصف له "الحكيم" ـ الطبيب ـ "قطرة" يقطر منها يوميّاً ويرجع بعد شهر ويعطيه "قطرة" ثانية.. وهكذا، و"الفلاّح مش عم تصحّ عينه".
وفي مرّة صدف أن سافر الطبيب مشاركاً في مؤتمر طبّي يُعقد خارج البلاد وحلّ محلّه إبنه الذي كان طبيب عيون مثل أبيه، وجاءه الفلاّح.
وبعد عودة الوالد سأل عن "زبون" اسمه كذا وأوصافه كذا ولماذا لم يعد يراه في العيادة؟، تذكّر الإبن وقال إنّه عالجه وكانت مشكلته بسيطة حيث شوكة صغيرة مختبئة في زاوية من عينه ونزعها له.
وسمع الوالد، ويا ساتر، قولوا: شخر ونخر وتقدّم وتأخر وسبّ الشمس والقمر وقال لإبنه: لا بارك الله فيك "قطعتلنا رزقتنا" ـ قطعت رزقنا.
وقالت رحمها الله وأوسع لها في جنّات عدنه "وهيك نحنا صار لازم ننزع شوكة الطائفية من عيونّا".
السلام على من يعي ويعمل اللاّزم.
**
نشرت أعلاه في فايسبوك وكانت تعليقات ومنها من الأستاذ سمير الزين: "ذكّرتني بمختار الشعيثيّة ـ جنوب لبنان ـ في السبعينيات المرحوم علي مسلماني أبو حسين وهو قريبك الذي كان ساحراً في حديثه في الإجتماعات".
وكتب السيّد محمّد كركي: الله يرحمها ويغفر لها ويسكنها فسيح جنّاته، هذه القصة التي قالتها صحيحة، والدكتور هو من النبطيّة، والمزارع كان يجلب للدكتور بيضاً وتيناً ولبناً ودجاجاً.
الله يرحم الحاجّة أمّ إبراهيم والحاج أبو إبراهيم ويتغمدهما بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته، كانت الحاجّة أم إبراهيم مميّزة في كونين لهمّتها، ولحكمتها في تسيير أمور العائلة، كانت رحمها الله محبّة للناس، بيتها مفتوح للضيوف من كلّ حدب وصوب، تحبّ الحديث بالسياسة، تداوي جيرانها بالاعشاب، وحتى كانت تداوي الدجاجات، وكلّ من يشعر بألم كانت تجد له وصفة من الطبّ العربي، كانت تمازح الكثير من زوّارها وهي في "حوكمة" ـ جمعة ـ للتبصير في فنجان القهوة أو على الغداء حول طبخة جنوبيّة، وكان الكثير من زوّارها من الكونينيين الذين يأتون من بيروت في فصل الصيف، تجد بيتها مزدحماً دائماً، لكنّنا سنذكر عنها أيضاً مواقفها الشجاعة مثلما في سنة 1978 إبّان الاجتياح الاسرائيلي للجنوب وتعرّض كونين للقصف بطائرات F16 وسقوط حوالي 30 شهيداً من جيرانها من آل "الخليل" رحمهم الله والذين بقت جثثهم تحت الدمار لعدّة أيّام، وحين دخل جيش الصهاينة بدباباتهم ووصلوا الى منزل جيرانها المدمَّر على أهاليه خرجت إليهم بكلّ شجاعة وقبضت على صدر أحد ضبّاط العدوّ قائلة له "ما بتخافوا الله؟ بتقتلوا الأطفال والنسوان والرجال من دون ذنب؟ شوفوا جثث الأطفال، وينهن المخربين؟ ـ كان الصهاينة يومها ينادون الفدائيين الفلسطينيين بالمخربين ـ كانت تصرخ اذ كانوا في 4 دبابات وأكثر من 50 عنصراً، ومن شدّة صراخها عليهم تركوا المكان وغادروه، وهكذا كتب التاريخ شجاعة الحاجّة أمّ إبراهيم بوجه المحتلّ الاسرائيلي، رحمها الله هي والحاج أبو ابراهيم الذي زارنا مرّتين في سيدني.
وكتبت السيّدة فاطمة الجمّال: "عرفنا ذلك البيت الكريم أيّام الغارات الإسرائيلية على الجنوب، كنّا نهرب من عيناثا التي في الصفّ الثاني من قرى الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلّة إلى كونين التي في الصفّ الثالث من القرى الحدوديّة طلباً للأمان، وكنّا نجد الأمان في وجوه أهل بيت أم ابراهيم وزوجها وعموم الأسرة يرحّبون بالضيوف مهما كان عددهم، وأذكر أنه في إحدى المرّات كان عددنا كبيراً والغارات الإسرائيليّة طالت، فقدّموا الطعام للجميع مع "أهلا وسهلا" باستمرار، وأثناء الليل فرشوا فرش الصوف للضيوف ولم يبق متّسع فنامت أم إبراهيم على عتبة الباب. رحم الله أم إبراهيم وأبا إبراهيم وحفظ أولادهما برعايته، ولروحهما السلام".
وكتب الأستاذ المربّي موسى شعيتو: "رحمهما الله، كانت الحكمة تسيل من افواه ذلك الجيل لأن القلوب كانت نقيّة والنوايا صافية ".
وكتبت السيّدة وردة ابراهيم: "الله يرحمهما برحمته ألواسعة ويجعل مأواهما جنّة ألنعيم، يقول المثل "فضّلوا ألفهم على ألعِلم" وقيل: "كم متعلّم جاهل وكم أُمّي مثقّف".
وكتب د. محمّد مسلم جمعة: "كم نحن في لبنان بحاجة الآن الى حكمة المرحومة أمّ ابراهيم".
وكتب الأستاذ عاطف حميّة: "هذه القصة الطيّبة والمعبّرة تجسّد صورة العاملي اللبناني بأسمى معانيها من العدالة والمساواة والعيش المشترك، رحمك الله يا حاجّة أمّ إبراهيم وجزاك الله خيراً على نفسيّتك الطيّبة وفكرك الناصع الأصيل والحكيم.
وكتب ابنها البكر وصديق الطفولة والشباب الأوّل ابراهيم حيدر أخيراً: "ذاكِرتُك طيّبة يا أستاذ شوقي، حكيت بأصلك، وشكراً لكلّ المعلّقين لأصالتهم، ولأمواتنا وأمواتكم الرحمة، ولكم ولجميع أسركم الصحّة والسعادة وطول العمر.
Shawkimoselmani1957@gmail.com




0 comments:
إرسال تعليق