لتيسير الدخول في مبحث ( العود الأبدي ) للفيلسوف الألماني نيتشه أضع أكثر ما فيه أهميةً في فقرتين ثمَّ أناقشهما كلاًّ على حِدة :
1 ــ نهائية القوى الكونية
2 ــ لا نهائية الزمان. الزمان دائرة مغلقة. دورات الكون
1 ــ من حق قارئ نيتشه أنْ يتساءل وبإلحاح : ما كان قصد نيتشه بالقوى الكونية وما طبيعتها وأين مكانها. هل هي قوى
Hegel
هيكل المثالية الروحية العليا أو قوى ماركس المادية أم قوى أخرى لا علاقة لها بقوى هذا ولا بقوى ذاك ؟ المعروف لحد اليوم أنْ قوانين نيوتن في الحركة والتجاذب والتنافرهي أساس ثبات توازن هذا الكون الجبّار الذي لا بداية له ولا نهاية فإذا اختلّت هذه القوانين لسبب ما نجهله سيختل الكون بكل ما فيه وسيصطدم الكل بالكل وتنشأ إشعاعات وحرارة هائلة جداً ينصهر فيها الكل بالكل وتتحول إلى غازات وأبخرة وتنشأ عناصر ومركبات جديدة غيرتلك التي عرفها الإنسان. قد يكون سبب إختلال قوانين نيوتن هو الفرق الكبير بين سرعة تمدد الفضاء الهائل وسرعة تمدد الأكوان الصلبة السابحة في هذا الفضاء فتفقد هذه القوانين قوتها ويحصل الإضطراب العظيم وانصهار الكون وتحوله إلى غازات وأبخرة تدور في الفضاء بقوة زخم دورانها الأول حيث الكل يدور حول نفسه وحول غيره ويتطاير إلى كتل غازية كبيرة وصغيرة تبرد بمرور الزمن [ ملايين أو ربما مليارات السنين ] متحولةً إلى كواكب ونجوم وشموس وأقمار وثقوب سود أو غير سود أو أنْ يتخذ الكون أشكالاً أخرى جديدة وأوضاعاً جديدة تنجم عنها قوانين فيزيائية جديدة تنظم علاقاتها ببعضها وسرعات دورانها حول نفسها وحول غيرها وقد ينشأ نوع من الحياة العضوية البدائية بعد مليارات السنين على بعض هذه التشكيلات الجديدة. هذا التصور ممكن فهل حصل سابقاً وكم مرةً حصل ومتى يحصل مرة أخرى ؟ هكذا أفهم دورات الكون وقوى الكون المرتبطة بمادة الكون الأبدية فقوى نيتشة الكونية المتناهية لا وجود لها في الكون. تكلم نيتشه عن العود الأبدي لكأنه تكلم عن عودة الإنسان الأبدية كما تكلمت عنها ديانات وشعوب أخرى تحت إسم تناسخ الأرواح كالمجوسية التي تأثر نيتشه بنبيها زرادشت وكتب فيه كتاباً ضخماً معروفاً بعنوان { هكذا تكلم زرادشت }. حسب نظرية العود الأبدي هذه يعود الإنسان نفسه مرات ومرات يعود كما كان قبل دورة الكون وعليه فلا مجال للحزن واليأس. مسألة مضحكة في أنَّ نيتشه يخلط العضوي ( الإنسان ) بالمادي ( باقي الكون ) جاعلاً الكل يعود بشكل ثابت إلى بالضبط ما كان عليهِ قبل الدورة الكونية فمن يقبل هذا الكلام ؟ هل أعود أنا بعد مليارات السنين إلى ما أنا كائنٌ فيه اليوم ؟ إنه تناسخ الأرواح المجوسي بشكل مشوّه ومضطرب والفوق خيالي. إنه نوع من جنّة عدن الخالدة في الإسلام. إنها عُشبة كلكامش حيث الحياة الخالدة لا يطالها موت. عندما قلتُ في مقالة سابقة عن نيتشه وموقفه من الإشتراكية إنه سطحي وسخيف إحتجَّ صديق عزيز عاشق لهذا الفيلسوف فلمزني بخفّة ورشاقة وساق رأيَ كاتبٍ آخرَ شديد الإعجاب بهذا الرجل. لا تقارن ما أقول يا صديق بما قال غيري فلكلِ رأيه وقناعاته واجتهاداته الخاصة وثقافته وعلمه. هكذا سقطت مقولة نيتشه حول ( تناهي قوى الكون ) وعودة الإنسان مراتٍ ومرات إلى ما كان عليه قبل دورة الكون.
2 ــ لا نهائية الزمان . الزمان دائرة مُغلقة. دورات الكون
الشرط الثاني لتحقق مقولة أو نظرية العود الأبدي هو ( أنْ يكون الزمان غيرَمتناهٍ، أي أنْ تظلَّ هذه القوة تمارس فعلها بلا إنقطاع. فإذا توافرت اللانهاية للزمان، فلا بُدَّ أنْ تُستنفد الإمكانيات التي تُتاح لهذه القوة المحدودة، وبهذا تأتي حالة تماثل تماماً حالة أخرى تكررت من قبلُ، وعندئذٍ تتلو عنها كل الحوادث كما وقعت من قبلُ تماماً ، ويكون الكونُ قد أتمَّ دورةً من دوراته، وتظل هذه الدورات تتكرر إلى الأبد خلال الزمان اللامتناهي، كلٌّ منها مماثلة للأخرى في كل صغيرةٍ وكبيرة / الصفحة 141 .. المصدر ).
لامني صديقي العزيز عاشق نيتشه عندما قلت عنه { نيتشه } إنه رجلُ جامد مع الثبات وضد التحولات في الحياة وها هو { نيتشه } يُثبّت صدق ما قد قلتُ فيه .. كيف ؟ من فمه أُدينه فهو الذي قال [ ... ويكونُ الكونُ قد أتمَّ دورةً من دوراته وتظل هذه الدورات تتكرر إلى الأبد خلال الزمان اللامتناهي، كلٌّ منها مماثلة للأخرى في كل صغيرة وكبيرة ]. ما عمر كل دورة من هذه الدورات وهل سبق وأنْ دار هذا الكون وكم مرةً قد دار ومتى يدور في المرة القادمة ؟ ثمَّ .. كيف يدور الكون دورة كاملة ويعود بالتمام إلى ما كان عليه قبل هذه الدورة : كل دورة مماثلة للأخرى في كل صغيرة وكبيرة. وقال نيتشه في كتابه " هكذا تكلم زرادشت / حاشية الصفحة 140 .. المصدر " [[ سأعودُ مع هذه الشمس وهذه الأرض وهذا النسر وهذا الثعبان ــ لا إلى حياة جديدة، أو حياة أفضل، أو حياة تقرب من هذه، سأعودُ أبداً إلى نفس هذه الحياة في كل صغيرة وكبيرة منها، لكي أعودَ مرة أخرى إلى العود الأبدي لكل الأشياء ]]. كيف نفهم هذا الكلام وهو واضح كل الوضوح ؟ يدور الكون الذي لا حدودَ له دورة كاملة والفيلسوف نيتشه يعود إلى نفس هذه الحياة في كل صغيرة وكبيرة منها ! ما الذي يجعل الكون لا يتغير وهو يدور دورة كاملة لا أحد يعرف كم تستغرق من الزمن كأنه ثور يُدير ناعوراً معصوب العينين يكرر نفس الدورات على حساب قوته بالطبع فكل دورة تستهلك طاقة يفقدها هذا الثور المسكين لينفذَّ أمراً لا مصلحة له فيه كإدارة مطحنة أو رفع الماء من النهر. الكون الذي يراه نيتشه هو غير الكون الحقيقي الدائم الحركة والتغيّر عالم لا يفهم قوانيه ولا غرابة فإنه وعلى حد علمي لم يذكر العالم نيوتن ولم يذكر قوانينه تماماً كما تجاهل ماركس ولم يناقش فلسفته ولم يذكر اسمه في كل ما كتب ! ما هكذا تورد الإبل يا هر نيتشه !
الزمان ! هل الزمان لا نهائي وهل يتحرك في دائرة مُغلقة ؟
موضوعة الزمان مسألة جدلية لم تُحل بعد وسوف لن تُحل كما أعتقد. وجهة نظري قد تبدو متطرفة وغريبة وغير مألوفة مفادها أنْ لا وجودَ لشئ إسمه زمان لا كان ولن يكون. الكون الهائل هذا موجود لا بداية له ولا نهاية وإذا كان موجوداً أبداً فما حاجته لمعيار يؤرّخ بداية لا وجود لها ؟ أكيد كان الكون متخذاً تشكيلات أخرى ليست بالضرورة تشبه مكوناته الحالية من مجرات ونجوم وكواكب وإشعاعات وثقوب وباقي المكونات وأكيد سيتغير تحت ظروف قاهرة وسيتشكل على أسس جديدة ووفق قوانين جديدة تتحكم بشروط ثباته وتوازنه. فهل التغيّرات الكونية الهائلة بحاجة إلى ما يقيس ويضبط تأريخ حدوثها ونهايته ؟ وإذا افترضنا وجود كائنات حية أخرى على سطح أحد مكونات هذا الكون أكثر أو أقل تطوراً من الإنسان الأرضي فهل عندها مقاييس زمنية وهل هي نفسها مقاييس إنسان الأرض الراهنة ؟ تصوري لهذا الأمر كما يلي : إذا افترضتُ وجود زمن فإنه عنصر محايد صنعه إنسان عبقري ليضبط به أمور دنياه وإنه يتحرك على خط مستقيم لا يتأثر بدوران الكون ودوران مكوناته حول بعضها أي أنه ليس دائرياً كما إدعى نيتشه ومحال أنْ يكون دائرة مُغلقة فالكون فضاء مفتوح لا إنغلاقَ فيه أبداً. بهذا الكلام تنهار إحدى ركيزتي نظرية نيتشه حول ( العود الأبدي ) المبنية على أساس لا نهائية الزمن ! لا نهائية زمن لا وجودَ له أصلاً.
أختم مقالي هذا بكلمة حق أقولها في نيتشة إنه إذا يستحق الذكر إنما يستحقه في قوله { فاثقلُ قيدٍ للنفس هو الزمان الذي انقضى، أي الماضي. الصفحة 144 المصدر }
*
نيتشه بقلم الدكتور فؤاد زكريا. دار المعارف بمصر. الطبعة الثانية بدون تأريخ. فكرة العود الأبدي الصفحات 138 ـــ 147.




0 comments:
إرسال تعليق