جوزاف عون وحكم التاريخ/ عباس علي مراد

 


عندما بدأت وضع هذا المقال كانت تتصارع في ذهني أفكار عديدة عن الدولة والأمة والجماعة، والتي لكل منها تعريفها الخاص، والتي يضع المؤرخ كمال الصليبي تعريفه لكل منها.

 يعرف الصليبي الأمة أنها "شعباً يمتلك حساً بالوحدة، دون أن يعني هذا بالضرورة تملّكه لحكومة مشتركة"  أما عن الدولة فيقول" وجود شعب موحد سياسياً يعيش في منطقة جغرافية محددة، بإشراف حكومة مركزية واحدة" ويعرف الجماعة بأنها "كيان إجتماعي يجمعه تراث موحد وصفات مشتركة، لكن دون كونه أمة أو دولة".

في ظل الأزمة التي تعصف بلبنان اليوم والعدوان الأسرائيلي المستمر والذي لا يخفي أطماعه التوسعية على حساب الارض والشعب، كنا نتوقع من جوزاف عون كرئيس للجمهورية ان يكون الرافعة للوحدة الوطنية، والوقوف في وجه الهجمة العدوانية ويشد أزرنا كشعب لبناني، خصوصاً انه إبن المؤسسة العسكرية مؤسسة الشرف والتضحية والوفاء.

لكن عون فاجأنا، فبدل أن يستغل الفرصة، فإذا به يريد الحط من عزائمنا ويسد علينا المداخل والمخارج، ويختصر خياراتنا الوطنية ويقزمها الى خيار وحيد، خيار الإستسلام بهدوء وخنوع في مفاوضات ضمانته الوحيدة فيها "صديقه" ترامب.

علماً ان عون في خطاب القسم الذي القاه بعد انتخابه في 9 كانون ثان 2025 والذي ختمه بقوله :" هذا عهد احترام الدستور وبناء الدولة وتطبيق القوانين، هذا عهد لبنان" وردد فيه عبارة عهدي أكثر من عشرين مرة.

 فإذا بنا نتفاجأ بأن عهده للدول التي أوصلته الى السلطة وليس للشعب اللبناني، حيث تجلت هذه المواقف في أكثر من مناسبة واستثنائه واستبعاده شريحة واسعة من اللبنانيين لدرجة إسقاط الجنسية اللبنانية عن من سماهم البعض او أستعماله تعابير مثل تنظيف مناطق الجنوب اللبناني من سكانه وغيرها من تعابيره التقسيمية. 

وجاء موقفه وإصراره على المفاوضات او بالأحرى التنسيق المباشرة مع العدو، والتي كان من نتائجها البيان الإستسلامي، الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية بعد الجولة الأخيرة من المفاوضات في واشنطن بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني، هذا البيان الذي صادر كل الحقوق اللبنانية في الدفاع عن الأرض، أو انسحاب الإحتلال، ووضع الدولة التي تخلت عن مسؤولياتها  تحت الأختبار، ولم يطلع عليه اللبنانيون إلا من الإعلام والذي جاء فيه أن لبنان والإحتلال " لا يحملان أي نوايا عدوانية تجاه بعضهما" وتثبيت المقاومة كعدو رغم إبلائها في الدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية.

   المعروف أن لبنان منذ تأسيس لبنان الكبير عام 1920، وبعد إستقلاله الشكلي عن فرنسا عام 1943، عاش وما زال أزمة هوية، فبعد أن كان في ميثاق العام 1949 وبصيغة مبهمة وحمالة أوجه تعتبر لبنان ذو وجه عربي، جاء إتفاق الطائف للتأكيد على عروبة لبنان في محاولة لحسم الهوية الوطنية لعلها تساعد في الحد من الانقسامات السابقة.

على الرغم من إتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وسوريا، استمرت الأزمة لأن سوريا التي كلفت بتنفيذه  لم تنفذ الإتفاق إلا في بعض الجوانب والتي تتماشى مع السياسة السورية، وكان لخروج سوريا من لبنان عام 2005  ان ظهرت الى العلن الانقسامات الحادة مجدداً، فتشكلت جماعتي 8 أذار القريبة من سوريا، وجماعة 14 آذار القربية من الغرب وما يسمى عرب الإعتدال بعد أن إنقلبت على تحالفها مع النظام السوري، الذي حافظت عليه معظم رموزها مع سوريا قبل خروجها من لبنان.

ما يثير القلق في هذه المرحلة، بأن سفينة الأمة أو الدولة أو الجماعة اللبنانية، سائرة نحو الغرق في بحر الطوفان الصهيوني أو إسرائيل الكبرى، لولا وقوف المقاومة الإسلامية اللبنانية سداً منيعاً في وجه هذا الطوفان.

الأنكى، ان سلطة الوصاية الأميركية السعودية ماضية في محاولة القفز على الواقع اللبناني متجاهلة حساسية هذا الأمر، ضاربة عرض الحائط المصلحة الوطنية، والتي قد تدخل الوطن في مجهول صراع "المكونات"،"الجماعات"، "المذاهب"، "الطوائف"، او العائلات الحاكمة التي يعتمد زعماءها على جهل وتجهيل أتباعهم لإستمرار سيطرتهم وسلطانهم الإجتماعي والسياسي والإقتصادي، واستمرارهم في الإستثمار في خلق الاوهام في نفوس أتباعهم لتعزيز موقفهم، خصوصاً العائلات السياسية ذات الوراثة السياسية، رغم أن السرقة التاريخية لمدخرات الشعب اللبناني تجلت في تجاهل هذا الشعب من خلال تواطؤ هذه العائلات ورعاتها من زعماء الطوائف والمذاهب.

نحن اليوم ندفع ثمن عقلية تصفية الحسابات الذي تنتهجه جماعات وسلطة الوصاية التي وضعت بيضها في سلة الوصي الأميركي والسعودي، والتي لم توفر الجيش الذي علق عليه اللبنانيون وما زالوا الكثير من الأمل لإنقاض الوطن من براثن العدوان الى جانب المقاومة التي تستبسل في الذود عن الوطن، وتخوض حرب وجودية مع العدو الذي كانت أخرجته من الاراضي اللبنانية دون قيد أو شرط عام 2000، ومنعت عودته بعد عدوان 2006، كل ذلك بعيداً عن المواقف الكارثية والنظرة الكابوسية للتاريخ والمستقبل الذي تتبناه سلطة الوصايا التي ترعاها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والفريق "السيادي".


إذاً، إن اتخاذ الموقف الوطني المتعقل والتخطيط هو الطريق الاقصرللإنقاض وبناء الدولة والتنمية المستدامة والحفاظ على الوحدة الوطنية، بدل الذهاب الى أقاصي الأرض في وشنطن، للتوقيع على أوهام الضمانات، التي لا تلزم أميركا أو إسرائيل بأي أمر إلا المصلحة الإسرائيلية، وهذا ما تبين في ما سمي بوقف إطلاق النار الذي يعطي الحق لاسرائيل لمواصلة عدوانها وهمجيتها. 

أخيراً وليس آخراً، هل تدرك السلطة والعهد، أنه أمام فرصة تاريخية لتوجيه البوصلة الوجهة الوطنية السليمة والا فعلى العهد والسلطة السلام لإن الحدث أسرع مما يعتقدون!

فهل سينهي عون عهده قبل عامه الثاني ويختاربين أن يكون رئيس لفريق أو رئيس دولة، ويقف على الجانب الصحيح من التاريخ؟.

الجواب عنده وعنده وحده، وعليه أن يدراك ان حكم التاريخ والشعب لا يرحم.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق