تأملات في كتابة البنات عن الآباء والأمهات/ فراس حج محمد


من الكتب الطريفة هذا الكتاب "سِيَر الآباء والأمهات بأقلام البنات" لمؤلفه فهد بن تركي العصيمي، والصادر في حزيران 2026 مع مجلة العربية السعودية. يتتبع المؤلف أسماء المؤلفات من البنات اللواتي كتبن عن آبائهنّ وأمهاتهنّ من الكاتبات العربيات وغير العربيات، وجعل كتابه في ثلاثة أقسام: أولاً المؤلِّفات باللغة العربية وعددهن (119) كاتبة، وثانياً: المؤلفات المترجمة كتبهن إلى اللغة العربية وعددهن (9) كاتبات، وثالثاً: المؤلفات باللغات الأخرى غير اللغة العربية وكتبهن غير مترجمة، وعددهن (53) كاتبة، وبذلك يكون المؤلف قد جمع أسماء (181) كاتبة شرقاً وغرباً تناولت أعمالهن الأب أو الأم، وأخرج إلى النور عدداً من الأسماء غير المعروفة في عالم الكتابة، سواء أكنّ بناتٍ أم كتّاباً آباء أو أمهات كاتبات، ، وكشف عن شيء مهمّ عن علاقة الأبناء بالأباء الكتاب، تلك العلاقة التي تبدو في أحيان أخرى يشوبها التوتر أو عدم اهتمام الأبناء بما يكتبه الوالدان.

جاء على الغلاف الأخير للكتاب هذا التأكيد لأهمية التأليف عن المقربين، وخاصة عن الآباء والأمهات: "للكتابة عن الآباء والأمهات منزلة رفيعة في مُدَوَّنة الأدب الإنساني، إذ هي كتابة لا تستند إلى الحكاية فحسب، بل إلى العاطفة والوفاء. وفي هذا الكتاب رصد لنماذج من المؤلّفات التي كتبها البنات عن آبائهنَّ وأُمَّهاتهنَّ في صورة تمتـزج فيها العواطف بجمال السرد والتوثيق لتكشف لنا جانباً إنسانياً رقيقاً من أدب السيرة، وظاهرة نسائية إنسانية جديرة بالتأمل". 

يؤكد الكتاب المقولة العربية الشهيرة: "كل فتاة بأبيها معجبة"، بل زاد عليها أن كل فتاة معجبة بأمها كذلك، على الرغم من أن من كتبن عن الأمهات قلائل بالقياس إلى اللواتي كتبن عن الآباء. ولا يمكن التكهن بالأسباب وراء ذلك، ربما لأن البنت الكاتبة ترى أنه من الواجب عليها تجاه الأب أن تكتب عنه، ولأن البنات أقرب إلى الآباء منهن إلى الأمهات قرباً وجدانياً، وربما لأن الكاتبة ترى في الأب الكاتب نموذجاً ثرّاً وغنياً، نظرا لتعدد تجاربه وأهميتها، وربما من أجل التكفير عن ذنب ما، وربما لأن عدد الكاتبات الأمهات أقلّ من عدد الآباء الكتّاب، ومع ذلك، تبقى صنعة الكتابة عصية على التفسير المنطقي الذي يرتاح إليه الباحث، وهو يحاول البحث عن إجابة لأسئلته المقلقة، فلا شيء فيها قاطع ونهائيّ، ولعلّ هذا أجمل ما في الكتابة وصنعتها.

للمرة الثالثة من عمر الكتابة والقراءة أتفق مع إصدارات المجلات العربية، الأولى مع كتاب المجلة العربية "الزوجان العالمان" للكاتب والباحث أحمد إبراهيم العلاونة (رقم 261، 1439هـ)، والثاني "شعراء سفراء" للكاتب إبراهيم مضواح الألمعي، وصدر بطبعة مجانية مع مجلة دبي الثقافية (رقم 142، 2016)، وكتبت عن هذين الكتابين في موضعين مختلفين، بعد أن قرأتهما وتتبعت ما ورد فيهما من أسماء، وأضفت عليهما أسماء أخرى.

وهذا الثالث، حيث أفردت في كتاب "ملامح من السرد المعاصر- أصوات نسائية" فصلاً خاصاً عن الكتابة عن المقربين ولم أخص الكتابة عن الأب وحده، لكنني تناولت في هذا الفصل ثلاثة أسماء كتبن عن الأب أو الأم، لم يأت المؤلف فهد العصيمي على ذكر أعمالهنّ، على الرغم من أن المادة متوفرة في الشبكة العنكبوتية، ومن السهل الوصول إلى هذه الأسماء:

الاسم الأول الكاتبة اللبنانية جمانة حداد، فقد كتبت روايتها "بنت الخياطة"، وفيها حديث عن الأمّ (الجدة)، وقد وظفت الابنة حياة عائلتها في صناعة رواية، وذكر المؤلف مجموعة من البنات اللواتي استلهمن حياة الأم لصناعة رواية، ولعل أقرب مثال يسوقه العصيمي ويشبه عمل جمانة حداد ما كتبته الكاتب الفلسطينية جين وديع سعيد المقدسي رقم (127)، تحت عنوان "جَدَّتي وأُمّي وأنا مُذَكَّرات ثلاثة أجيال من النساء العربيات" "وهي مذكرات في سيرتها، وسيرة أُمّها هيلدا موسى سعيد، وجدتها منيرة موسى بدر؛ ثلاثة أجيال متتالية". 

الاسم الثاني الكاتبة الفلسطينية وفاء عمران التي كتبت سيرة أبيها "سيرة غيرية" بعنوان "الطيور لا تغرد بعيداً عن أعشاشها"، وقد عمل أبوها معلماً في مدارس الأردنّ، وتلتقي في هذا الفعل مع كثيرات ممن ترجم لهن المؤلف وكتبن سيرة آبائهنّ، وهو الجنس الأدبي الغالب على مؤلفات الكاتبات البنات.

الاسم الثالث الكاتبة أميلي نوثومب، وهي كاتبة بلجيكيّة تكتب باللغة الفرنسية، كتبت عن أبيها كتاباً بعد أن توفي بجاحة كورونا ولم تستطع المشاركة في جنازته نظراً لإجراءات حظر السفر في ذلك العام، وتكاد مأساتها تتقاطع مع تجربة الكاتبة الروائية النيجيرية تشيماماندا نغوزي التي رثت أباها جيمس نووي أديتشي بعد وفاته فجأة خلال جائحة كورونا عام 2020، "وزاد من حزنها أنها لم تستطع السفر من الولايات المتحدة الأمريكية إلى نيجيريا لحضور جنازته بسبب قيود الجائحة"، ويترجم لها كتاب العصيمي، واحتلت فيه الرقم (126)، لكن نغوري لم تكتب رواية إنما كتبت كتابها "تدوينات عن الحزن"، وهو "أشبه باليوميات أكثر من كونه كتابة أدبية".

ومهما يكن من أمر، لا شك في أن هذا الكتاب طريف في مادته وفي فكرته، ويكفيه أهمية أنه جمع الكثير من أسماء الكتب وتصنيفاتها التي كتبتها الكاتبات وأعاد المؤلف جدولتها حسب الترتيب الأبتثي في فهرسين؛ فهرس للكاتبة الابنة وفهرس للمكتوب عنه؛ أباً أو أماً، تسهيلاً لعملية البحث، وبذلك يوفر للباحثين خدمة جليلة في هذا الجانب، ولعلّ الأهمية الأخرى للكتاب أنه يحفز كتاباً وكاتبات على أن يكتبوا سيرة أحبائهم، من آباء وأمهات وأزواج وإخوة وأخوات وحتى أصدقاء، فلهذا النوع من الكتابة أهمية خاصة، يؤكدها الكاتب وذكرها في مقدمته، وأعادها على الغلاف الأخير للكتاب، وتنتج كتابة بملامح خاصة ومميزة، تثري المشهد الأدبيّ برمته.

وعلى الرغم من أن بعض الأسماء تتفلت من الباحث بلا شك، ولكن عذره أنه بشر، ولا يحيط بالمسألة الواحدة إحاطة تامة أي مؤلف منذ بدء صنعة الكتابة وإلى أن يشاء الله، فثمة أزواج كتّاب لم يلتفت إليهم العلاونة في "الزوجان العالمان"، وكذلك "شعراء سفراء" لم يتعرض لهم الألمعي في بحثه، فإنه بلا شك- غير ما ذكرت من الأسماء- ثمة أسماء أخرى غير هذه الـ (184) كاتبة- إذا ما أضاف المرء الثلاثة أسماء التي أشرت إليها أعلاه- موجودة وكتبت عن الآباء والأمهات. 

وكما أنني أستدرك على الآخرين أعمالهم فإن الآخرين أيضاً يستدركون عليّ، وهذا ما حدث معي عندما أعددت جدولاً في كتاب "تصدّع الجدران- عن الأدب في مقاومة العتمة"، يضم (133) كاتباً وكاتبة داخل سجون الاحتلال الغاصب، فإن أسماء أخرى كان حريّ بها أن تكون موجودة في هذا العمل الإحصائي، لكنني لم أوفق في العثور عليها، وتوثيق أعمالها، فداخلني شيء من الحسرة على أنني لم أبذل مزيدا من الجهد، لأتلافى هذا النقص الذي لا شك في أنه يثلم العمل.

ومثل هذه الظاهرة من الاستدراكات يجدها المرء في كتب التراث كثيراً، فثمة من استدرك- مثلاً- على ابن خلكان فألف كتاب "فوات الوفيات والذيل عليها" حيث استدرك كثيرا من أسماء سقطت من كتاب "وفيات الأعيان لابن خلكان"، وغيـر ذلك الكثير مما يعرف بكتب الاستدراكات والذيل والتكملة، وهي ظاهرة طبيعية وصحية، ولا بد منها، لأن المرء لا يحيط بشيء من علم الله إلا بما شاء، والعلم رزق مقسوم بين الكتّاب، والعلماء، ولكل منهم نصيب مفروض، يتكاملون معاً في جهودهم ومؤلفاتهم.


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق