كَانَ الوقتُ لَيْلاً والُعتَمةُ شَديدُةُ السِّوادِ
بَيَنما أمطارُ المُحيط
تخدشُ وَجه الّليلِ المَسْكُونُ بِالوَسنِ!.
لقد انقلبتِ بِنا السفينة!!
مِن دونَ غرةٍ وجدتُ بقربي
ثمّة أناسٍ لم أكنْ أعرفهم مِن قبلٍ...
يتشدّقون بِبعضهم كطوقٍ للنّجاةِ!
مَا كَانَ أحدنا ينعش الآخر بأنفاسهِ
فقط كنتُ أنَا مَن أقاومُ وأقوم بهذا!.
كَانَ أبي النبيل -رحمهُ الله- قد علّمني السباحةِ في بحيرةِ الحبانية
وكيفَ أقومُ بقبلةِ الانقاذ..
وأقصدُ بِها قبلة الحياة لا الغدر( قبلة يهوذا)!
.........
ها قد مضتِ ليلة عصيبة فِي هذا الغرق....
وها هو الفجرُ قد لاحَ في البحرِ!
ولكن لمْ يكن بوسعي
أن الصقَ البحر بالبحر طريقًا إلى اليابسةِ!
فوقَ خشبةٍ تعوم على موجٍ هائجٍ...
كنت أحَبْكُ كتاباتي كوصيةٍ للنّاجينَ باحساسٍ مرهفٍ
وأسُبّكُ صلواتي مُناجاةً...
عسَى يستجيبُ الله لنا....أو يسمعنا أحدًا
أو تشاهدنا طائرة هليكوبتر لأسعاف المنكوبينَ!
في الضّفةِ الآخر مِنَ الغرقِ
ثَمّةَ طفلةٍ تبحث عَن عائلتها...
تُنادي عليهم بلوعةِ قلبٍ وبلغة كلدانيّة وعربية حميمة.. أبكتني!.
لمْ أودّ لها أن تكون لقمةً آخرى لقرشِ البحر...
بالكادِِ عمْتُ نحوها ووضعتها فوق خشبةٍ... وكأنّنا في أيامِ تيتانكَ!
أمَا أنا الذي مِن مواليد برج الحوتِ...
فبدأتُ ألبطُ كَسمكةٍ
تنازع معها لأجل البقاء!
.............
لم يكنْ هذا الغرقُ بسببِ خللٍ في السَّفِينةِ العملاّقةِ
أو لسوءِ قيادةِ القُبطانِِ وطاقمه...
الجميعُ هُنا؛ هُمْ ضحية مأزقٍ لم يختاروهُ طواعيةً...
وفيما كانت عيني مُبتلّة بِماءِ المُحيط المالح...
دمعتِ العَينِ بِالسؤالِ وَنَاجيتُ ربّي بِالقولِ:
أتعلمُ يَارّبّ: إنّي كُلّمَا اشتقتُُ لِوالدي
تَساءلتُ: لِماذا لَا يُطلُّ المَوتى عَلينا مِن نوافذِ السّماءِ؟!
لقد صليتُ مُبتلّاً ...مرتجفًا...مرتعشًا...
صلاةً حارةً في مياهٍ باردةٍ...
ومَا الصّلاةُ؟ سوى مِفتاحٌ يفتحُ كُلّ بَابٍ مُقفلٍ.
يَا صديقي يسوع الحبيب: ألستَ أنَتَ القائلُ: " اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ." (( متّى 7: 7). " كُلُّ مَا تطلبونهُ باسمي بإيمانٍ تنالونهُ..." ( متّى 21).
لقد اِنتهيتُ مِن صلاتي للتّوِ... لكنَّ الكارثةَ لم تنتهِ إلى هذا الحد!
فما زلنا في هذه الدُّوّامةِ ...
لكنّي لازلتُ أوقُّنُ أنّنا سنخلص... ولو مِن بعدِ حَينٍ!
...........
تبًّا ... وأنا أُصلي
كادتْ تلكَ الطفلة الّتي فقدت عائلتها أنْ تغرقَ!
هي تغطُ وتنادي: Father , help Father
لقد بذلتُ مَا بوسعي للحفاظِ عليها!
ومِنَ المدى القريبِ كَانَ صوتًا لأحدهم
قد خنّقتهُ العبـْرة يُغني لهيثم يوسف الّذي يطربني: " أفرجها يا ربّي"
فتمتمتُ معه...
لكنّ اللهَ لمْ يكنْ قد فرجها حَتَّى اللحظةِ!
لقد علّمتني والدتي -أمدَّ الله بعمرها- بعد موت أبي
اللاّ أطأطأ رأسي في المحنِ...
هكذا أنشأتُ ذاتي وسواي...
إذْ وأنتَ تغرق ستتعلّم شئت أمْ أبيتَ
كيفَ تطفو برأسٍ مرفوعةٍ!
............
حسنًا يَا الله...
أنَا الرَّافِدانِ باكورةُ البُلدانِ
أنَا يوسفُ "الكاهنُ البغداديُّ" كما وصفني أدباء عصري
أستبقى صامتًا كالعادةِ؟! فحَتَّى مَتْى سنبقى في هذا الغرق؟!
هل سنغرق وستعلنُ وكالات الأنباء الحداد علينا ثلاثَةَ أيْامٍ؟!
أمْ ستقول لنا: " إيمانكُم خلصكم.... أذهبوا بِسلامٍ".
على أيّةِ حالٍ يَا رباه؛
لقد كتبتُ في وصيتي: أن يرشّوا على صندوق جنازتي:
ماء دجلة والفراتِ وحفنةً مِن تراب بغدادِ...وإنجيلٍ وبعض الورودِ وقلمًا...
ولكن مَن سيقوم بهذا هُنا؟!
................
يَاربُ... لقد فقدتُ الهاتف
وليسَ معي مِن وسيلةِ اتصالٍ لأودع أحبائي!
فَأَيُّمَا لعنة حلّت بِنا!
أينَ أنتَ يَارب .... فقد تمهل...قُلْ كلمتكَ... لا أريد الموتَ الآن!
إنّنا نغرقُ... أجل نغرق يا يسوع.... وَمَا عاد لنا قوةً لمقاومةِ الموجِ!
وَلَا مِنْ سفينةٍ لنوحٍ ليتلاشى الموت عَنّا!
فَهَلَا كُنتَ لنا طوق الخلاص؟!.
...................
في السّاعةِ التّاسعةِ مِنَ الظّلامِ...
بدأ العدُّ التّنازليَّ..
وَعَلى مَا يبدُو لمْ يَعدْ لَنا مُتكَأً بينَ ذراعي الوجود!
هكَذا بدأتُ ألملمُ مِني مَا بقي مِني فِي ذلكَ الجحيم "الضيم".
لقد صليتُ: أبانا الّذي في السّموات... لتكن مشيئتكَ....
كمَا في السّماء كذلكَ على " البحر".
صدقوني مَا أن انتهيت مِن هذه الإستغاثةِ الرّبانيّة...
كتبتُ اسماء مِن أحبّ عّلى الماءِ
ومن ثُم شهقتُ آخر أنفاس احتضاري...
حَتَّى لاحت فوقنا طائرات إنقاذ المنكوبين تنادي:
" Hurry up"!
لقد حَملتُ الطفلة العراقيّة النّاجيّة مِنَ جحيم الغرقِ على منكبيَّ.
كنتُ خائر القوى
بينما هي على وشكِ لفظِ أنفاسها الأخيرة!!
وبِالكادِ بدأتُ أتسلقُ حبل الإنقاذ المُتدلّي لنا!
لقد عانقتني بنظرةِ بكاءٍ
بينَما نحنُ مُعلقُان بينَ البحرِ والسّماء
نترنحُ على متّنِ حبلٍ تتقاذفه الأمطار وتعصف بِه الرَياح!
نظرةٌ...فيها الكثير مِنَ الأسى والوَهن...
لخصت تلكَ الفاجعة!
لقد كانتِ دموعها أبلغَ الصّلواتِ وأصدقَ المراثي!
............
لقد نجونا بمعجزةٍ إلهيّة والحمد للهِ...
هكذا فقنا بعيونٍ ناعساتٍ فور الإنتهاء مِنَ الإنعاشِ الرئوي والقلبي...
لقد افقدت العواصف والأمطار ومدّ الأمواج القبطان لأفتات الوجّهة..
لكنّنا لم نفقد إيماننا...
وبهذا الإيمانِ صليتُ في ذلكَ الغرقِ إلى إلهٍ أثقُ بِه ....
أحبّه ويحبّني..
لقد نجونا... والشُّكرُ لله!.
*****
هذا هو الجزء الثّاني مِن ديوان طُوفان تحت مسمى: ( حكاية ليلة واحدة في الغرق)
قيد المراجعة والنشر/ عن دار أوراق الثقافيّة
هو ثيمة استغراب أدبيّة لأدب الاستشراق المعكوس.




0 comments:
إرسال تعليق