كيف عرفت الله؟/ اسراء عبوشي



نولد فنجد أنفسنا مسلمين، نمارس عباداتنا كما يمارسها من حولنا، ونتعلم أصول ديننا كما نتعلم القراءة والكتابة. غير أن الإيمان الذي يستقر في القلب شيء آخر؛ فهو لا يُلقَّن، ولا يُكتسب بالعادة وحدها، بل قد يولد أحيانًا من رحم الألم.

أما أنا، فقد عرفت الله من خلال الفقد.

في صباح يوم الأحد، الرابع من آذار عام 1984، استيقظت على ثاني صباح لي بلا أم.

كنت طفلة صغيرة، وما زلت أرفض تصديق الموت. كان في قلبي دعاء واحد لا يفارقني منذ الأمس: «خذني إلى أمي يا الله، لن أستطيع أن أكمل الحياة من دونها». وببساطة الطفولة، كنت أقول: إن كانت أمي قد ماتت حقًا، فخذني إليها.

أحضر أبي إكليلًا من الورد، وجمعنا نحن الإخوة الخمسة لزيارة قبر أمي. وكان المعزون يقولون إن قبرها بدا كأنه كوشة عروس، من كثرة أكاليل الورد التي غطته.

وسط تلك الأكاليل، وقعت عيناي على وردة بيضاء وحيدة بين الزهور الملونة، فنظرت إليها وقلت في سري: «أنتِ مثلي يا مسكينة، وضعوكِ على إكليل موت لا على إكليل عرس، وأنا ذاهبة إلى أمي، لكنها ليست فوق الأرض، بل في باطنها».

/كانت تلك الأيام أقسى من الموت نفسه.

وصلنا إلى المقبرة، وكان قبر أمي لا يزال رطبًا، تحيط به أكاليل الورد. لم أستطع حتى أن أقف لقراءة الفاتحة، فكنت أول من خرج من المقبرة.

وأثناء سيري، رفعت رأسي إلى السماء. كانت أشجار المقبرة العتيقة تتشابك فوق رأسي كأذرعٍ خضراء تخفي زرقة السماء، فيما راحت شمس آذار الخجولة تنفذ بين الأغصان بخيوط واهنة، كأنها تبحث عن طريقها إلى الأرض.

كنت أسير بقلبٍ أثقل من أن تحمله طفلة، وروحٍ تتمنى لو أن الموت أخطأ العنوان وأخذها مع أمها.

وفجأة…

لا أدري إن كان الضوء قد انسكب من بين الأوراق، أم أن شيئًا ما انسكب في داخلي.

توقفت.

ورفعت رأسي أكثر.

رأيت خيوط الشمس تتراقص فوق الندى العالق بالأغصان، وتهبط بهدوء لم أعرف له مثيلًا من قبل. لم يكن نورًا يخطف البصر، بل سكينة تتسلل إلى القلب. بدا دافئًا كحضنٍ افتقدته، ورقيقًا كيد أم تمسح دموع طفلتها دون أن تنطق بكلمة.

في تلك اللحظة، شعرت وكأن السماء انحنت على كسري الصغير.

لم تسمع أذناي صوتًا، لكن قلبي سمع.

ولم تقع عيناي على شيء غير مألوف، لكن روحي أبصرت ما لم تبصره عين.

ظل الحزن في مكانه، وبقي القبر خلفي، واستقرت أمي تحت التراب، إلا أن شيئًا واحدًا تبدل…

لم أعد وحدي.

انساب ذلك الضوء إلى أعماقي كما ينساب الماء إلى أرض عطشى، وانحسر الخوف شيئًا فشيئًا، حتى استقر في قلبي يقين هادئ، كأن لطف الله يحيط بي من حيث لا أراه، وكأن رحمة خفية تهمس لروحي:

«لا تحزني… أنا معك».

في تلك اللحظة فهمت معنى «أسلمت».

لم يكن التسليم حينها معرفة نظرية، بل طمأنينة قلبٍ أنهكته الأسئلة فاختار السكينة.

نعم يا رب، لقد سلمت نفسي لقضائك، وإن لم أفهم حكمتك.

ولو سألت نفسي ألف مرة: لماذا ماتت أمي في ريعان شبابها؟ ولماذا حُرمنا منها فجأة بلا مرض ولا مقدمات؟ فلن أجد جوابًا.

لكنني وجدت ما هو أعمق من الجواب: وجدت السكينة.

فالإسلام، في جوهره، ليس أن نعرف كل الأسباب، بل أن نطمئن إلى حكمة الله وإن غابت عنا، وأن نسلم له ما تعجز عقولنا عن إدراكه فتستريح قلوبنا.

ومنذ ذلك الصباح، لم يعد الضوء بالنسبة إلي مجرد شعاع شمس يتسلل بين الأشجار، بل صار أول نافذة أطل منها قلبي على رحمة الله، وأول مرة أفهم فيها أن التسليم ليس استسلامًا للحزن، بل انفتاحًا على الطمأنينة.

ومنذ ذلك اليوم، عرفت نفسي، وعرفت ربي، ومضيت مطمئنة.

فالحمد لله دائمًا وأبدًا.

ومن يسألني اليوم: كيف عرفت الله؟

لا أجيب بسرعة، بل أبتسم في داخلي، وأعود إلى تلك الطفلة التي خرجت من المقبرة منكسة الرأس، ثم رفعت عينيها نحو الضوء بين الأشجار، فعاد قلبها حيًّا.

وأقول:

عرفته يوم ظننت أنني فقدت كل شيء…

فاكتشفت أنني لم أفقده.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق