يوم الأحد السادس من حزيران/يونيو عام 1982، بدأت قوات الاحتلال (الإسرائيلي) غزوها لبنان، هذا الغزو الذي كشف بشاعة الأنظمة وذلها وتعاملها مع بعضها البعض، في ظل اتفاقية مطروحة في أدراج الجامعة العربية تحت مسمى "الدفاع العربي المشترك"، حيث وصل وللأسف الشديد، ولأول مرة في التاريخ العربي العدو إلى عاصمة عربية ويحاصرها، هذه العاصمة هي بيروت، بذلك أصبحت كل العواصم العربية في متناول أيدي الغزاة دون رادع، وكأن خليل حاوي الشاعر الإنسان كان يدرك أي معنى جارح يتضمنه هذا الغزو، فاستل بندقيته وأطلق رصاصة على رأسه أنهت حياته الحافلة بالشعر والنضال، وبالتأملات الوجودية التي حفلت بها قصائده، أفاق جيرانه ليجدوه ملقى في شرفته وبيدِه بندقية، ليغلقَ قصة من قصص معاناة إنسان أتعبه إيمانه في الحب بكل ألوانه بعد أن وجد العاصمة اللبنانية بيروت ترتج تحت بساطيل الغزاة.
لقد كان الموت، مثل الحياة، واحداً من موضوعاته الأثيرة، وبقدر ما تساءل خليل حاوي في قصائده عن الحياة وتأمل في معارجها، بقدر ما تأمل في الموت والانبعاث. فالهمّ الوجودي كان جذر هموم الشاعر. لقد كان خليل حاوي مسكوناً بهاجس الموت، ففي "نهر الرماد" ديوانه الأول الذي صدر عام 1975، ردد حاوي كلمة (الموت) ومشتقاتها أو ما له علاقة بها 85 مرة، بحيث لم تخل منها إلا قصيدة واحدة فقط من هذا الديوان.
وفي قصيدة له كتبها بعنوان "لعازر" عام 62 كتب حاوي يقول:
عمق الحفرة يا حفار
عمقها لقاع لا قرار
يرتمي خلف مدار الشمس
ليلا من رماد
وبقايا نجمة مدفونة خلف المدار
لا صدى يرشح من دوامة الحمى
ومن دولاب نار.
وقد كتب الناقد الراحل حسين مروة عن هذا المقطع من قصيدته التي ضمنها ديوانه "بيادر الجوع" قائلاً "إن حاوي قد عانى انبعاثه من الموت، فاصطدم بحياة رأى فيها مأساة تفوق مأساة الموت، بل رأى الموت هو الخلاص من دوامة الحمى ومن دولاب نار.. أي من الحياة نفسها".
كان هذا الفهم من جانب مروة الذي قتل بدوره في العام 1987 على أيدي بعض الظلاميين، في وقت مبكر لقد نفذ إلى هذه البقعة المأسوية في نفس حاوي في ذلك الوقت المبكر، وكأن حاوي حين أقدم على قتل نفسه في ذلك اليوم الحار من أيام حزيران/يونيو كأنه كان يستعيد ما قاله قبل ذلك بعشرين عام في قصيدته تلك عن قيامة "لعازر".
غير أن خليل حاوي لم يكن سوداوياً على الدوام، ففي قصيدة شهيرة له بعنوان "الجسر"، يقول حاوي متأملاً في الحياة التي يتحول فيها الإنسان إلى جسر تعبره الأجيال القادمة وأهداه إلى "الطليعة المقبلة":
يعبرون الجسر في الصبح خفافاً
أضلعي امتدت لهم جسرا وطيد
من كهوف الشرق من مستنقع الشرق
إلى الشرق الجديد
أضلعي امتدت لهم جسرا وطيد
سوف يمضون وتبقى
صنما خلفه الكهان للريح
التي توسعه جلداً وحرقاً
فارغ الكفين مصلوباً وحيد.
وكما لو أن حاوي حين أطلق على رأسه تلك الرصاصة القاتلة كان يدرك أن حياته قد انتهت، وأنه الجسر الذي ستعبر فوقه "الطليعة المقبلة"، وربما لو قام خليل حاوي اليوم ونظر إلى "الطليعة المقبلة"، ربما كان "اصطدم بالحياة" وانتحر مرة ثانية مع العلم بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، لأن الحياة كفاح وجهاد.
شاعر الوعي القومي المعاصر
وفي هذا يقول المفكر منح الصلح "أن القضية الكبرى في حياة خليل حاوي الفكرية والسياسية فهي محاولته الدائمة للتوفيق بين أقوى حب وهو حبه للأمة العربية، وأقوى كره وهو كره للعقم العربي في المرحلة التاريخية التي عاشها خليل، وخصوصاً في المرحلة التي أنهى بها حياته، حين كانت قوات اسرائيل تجرؤ على اجتياح لبنان".
القصيدة الأخيرة
الدكتور ميشال جحا زميل الشاعر خليل حاوي يروي دقائق الساعات الأخيرة في حياة حاوي قائلاً: "في السادس من حزيران/يونيو سنة 1982، وهذا تاريخ مؤلم بالنسبة له، لأنه تاريخ الهزيمة التي كان قد تنبأ بها في شعره والتي حلت في ذات التاريخ سنة 1967، وكان يوم أحد حين غزت اسرائيل جنوب لبنان. كان خليل كعادته في مساء ذلك اليوم يتمشى في حرم الجامعة الأميركية مع بعض الأساتذة والأصحاب، وحديث الساعة، الغزو الاسرائيلي الذي كانت اسرائيل قد مهدت له قبل يومين، بغارات مكثفة على المواقع الفلسطينية في بيروت، يوم الجمعة في 4 حزيران/يونيو.
كان خليل ثائراً ناقماً حانقاً.. فالذي حصل كان حرباً شرسة والعالم أغمض عينيه، والعرب لاهون ليس عندهم سوى الكلام يدرؤون به ذل الحرب وويلاتها، فمن يزيل الذل والعار الذي لحق بلبنان؟
غابت شمس ذلك النهار الأسود، تركه أصحابه وانصرف كل إلى منزله، وجوه واجمة صفراء... عض خليل على جرحه وحبس دمعه همت بالانحدار من مقلتيه. كان يرى في الاعتداء الاسرائيلي على لبنان اعتداء عليه شخصياً أصابه في الصميم.
قرابة الساعة السابعة والنصف من مساء ذلك اليوم المشؤوم كان خليل يسير في الشوارع التي خيم عليها صمت ثقيل، وحيداً مهيض الجناح، معصور الفؤاد، فالتقى مصادفة بقريب له وهو من أصفيائه، شاعر ينظم الشعر بالإنكليزية اسمه شفيق عطايا، كان خليل يرتاح له، خاصة إذا كان في حالة نفسية سوداوية.
كان شفيق يقصد منزل زميل له قريب من الطرف الغربي من شارع المكحول حيث يقع منزل خليل.. ولكنه لما شاهد خليلاً على تلك الحالة من التمزق والضياع، عدل عن متابعة طريقه ووقف ينتظره.
كان خليل منفعلاً ثائراً فما لبث أن بادر شفيقاً بقوله: "أين العرب؟ من يمحو الذل والعار عن جبيني؟ الأفضل أن أموت". حاول شفيق أن يخفف عنه فدعاه إلى أن يذهب معه إلى منزله الذي يبعد كثيراً عن منزل خليل.. فسارا معاً وعندما اقترب من الدرج أخذ خليل يردد قصيدته "لعازر" ثم علق عليها بقوله: "مهما حاولت لن أستطيع أن أحقق قيامة العرب. لن يستيقظوا من سباتهم العميق..".
ولما صعد خليل إلى المنزل وجلسا، رفض خليل أن يتناول كأساً من (الويسكي) وأخذ ينشد قصيدته "في الجنوب" وهي مقطوعة صغيرة يقول فيها:
"جولي سبايا الأرض
في أرضي
وصولي واطحني شعبي
جولي وصولي
واطحني صلبي
لن يكتوي قلبي
لن يكتوي قلبي ولن يدمى
تنحل حمى العار
في غيبوبة الحمى
لن يكتوي قلبي ولن يدمى
قلبي الأصم الأبكم الأعمى".
كانت هذه آخر قصيدة كتبها خليل حاوي، وكانت نشرة الأخبار قد بدأت على التلفزيون متأخرة كعادتها بضع دقائق.. وكانت أخبار الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان تزيد من هيجانه، فكان يضع رأسه بين كفيه ويشد على صدغيه. طلب من شفيق إقفال التلفزيون.. ثم داعب أولاد شفيق قبل أن ينصرفوا إلى النوم. فقد كان خليل يحب الأطفال.. ثم نزلا معاً إلى الشارع وقد كانت الساعة أشرفت على التاسعة، الجو حار ورطب.. لم يكن في الشارع سوى بضعة شبان بالقرب من أحد المطاعم، قال لهم خليل بلهجته الجبلية الشويرية التي كان يعتد بها: "سعيدة يا شباب" فأجابوه وكانوا يعرفونه: أهلا بالأستاذ".. وبقيا حتى قرابة العاشرة يذهبان ويجيئان وهما يتداولان مأساة الوطن، وكان خليل لا يزال ثائراُ شاتماً: "كلاب! كلاب! كلهم كلاب!" وفجأة توقف خليل ثم قال: "شفيق تصبح على خير أنا ذاهب إلى البيت"، قال ذلك وانصرف، فأحس شفيق بأن شيئاً قد انتزع منه، فجمد في مكانه، أراد اللحاق به وقد شعر بأن خليلاً قد يقوم على عمل ما، ولكنه تراجع قائلاً لنفسه: من الأفضل أن أتركه لوحده لعل ذلك يهدىء من ثورته.
كان يسكن في شقتين صغيرتين تقعان فوق بعضهما البعض في الطابق الرابع والخامس في أعلى بناية الدكتور (هاغوب دارمالكونيان). لقد استأجر خليل الشقتين لكي يكون وحيداً وبعيداً عن ضجيج الجيران.. وهناك اتخذ القرار الذي كان يؤجله المرة تلو المرة.. فجلب بندقية الصيد التي كان في الخزانة واصطاد نفسه في تلك الليلة، والساعة كانت قد قاربت العاشرة والنصف". انتهى ما ذكره الدكتور ميشال جحا.
إذا كانت الحالة النفسية عند الشاعر خليل حاوي قد تفجرت في السادس من حزيران/يونيو 1982 والغزو (الاسرائيلي) قد فاقمها فانتحر.. ترى لو عاد خليل حاوي اليوم ووجد الذل والعار وطبقات السفلى يحكمون ويتحكمون في رقاب البلاد والعباد فكم مرة سينتحر؟!!
قصيدة لم تنشر للشاعر خليل حاوي
هذه القصيدة من مجموعة شعرية بعنوان "من جحيم الكوميديا اللبنانية" نشرت كما هي مجموعة ولم توزع في حياة خليل حاوي لأنه لم يكن راضياً عنها كما ذكر الدكتور ميشال جحا، عدد القصائد في هذه المجموعة أربعة.
عمالقة
كنتم صغاراً تافهين
مدى الديار
صرتم صغاراً تافهين
بلا ديار
***
وتيسرت سمة الكبار
ختم خفي،
سره لا ينجلي
إلا لعين في سريرة كاتمة
إلا لعين في التماع خواتمه،
يده التي لم تغتسل،
تمتد تغسل أدمغة
وتروح تشجنها
بما اشتملت عليه المصبغة
***
وجه يطل
وصمته يدمي،
ويحرق، لا يطاق
يا يوم أنكره الرفاق
وتراكمت كوم الرماد
على موائده العتاق
***
كان الدخيل
وكان يحمد
ما ترسب في الرصيد
ما يشتري الخبز الكفاف
ولا يزيد
مرت على يده
عيون صيارفه
ومضت تحيتهم بروقاً خاطفه
ختمت على ما كان يحمل
في الضلوع
***
يا يوم أنكره الجميع
وجهاً يعز على المبيع
***
عرافهم يلغي من الأعمار
ما حفرت خناجر صاعقه
ظل غريب يستريح على الشفاه
خلف الجباه تغط
أقبية الجباه.
***
خلع القطيع شرانقه
أرخى على الأكتاف
زهو عمالقة




0 comments:
إرسال تعليق