من المشاهد اللافتة التي صاحبت تداعيات الحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران برز موقف الحبر الأعظم، البابا لاون الرابع عشر، في مواجهته لمحاولات الرئيس دونالد ترامب وعدد من وزرائه وكبار مساعديه، تجنيد شخصية يسوع المسيح من أجل حماية جنود أمريكا في الحرب. وفي سابقة، تعد الأولى من نوعها، خرج البابا عن بروتوكول "الصمت الديبلوماسي" أو عن خطاب "التوازن الوقور" ، الذي طالما اتسمت به مواقف الفاتيكان في معظم الصراعات الدولية التي شهدها العالم، وأعلن أنه لا يمكن لأحد أن يستخدم اسم يسوع لتبرير الحرب وأن "الله لا يسمع صلوات من كانت أيديهم ملطخة بالدماء" ! وحذر في وعظة العيد من تهديدات الرئيس الاميركي دونالد ترامب واصفا إياها "بغير المقبولة"، ومنوّها أن التهديد بمحو حضارة كاملة، كما صرّح ترامب، "يستدعي عدة مسائل تتعلق بالقانون الدولي، وأكثر من ذلك، فهذه مسألة أخلاقية تتعلق بخير شعب كامل" وطالبه بضرورة ايجاد "مخرج" لانهاء الحرب فورا.
لم يكن حلول عيد الفصح في كل عام منذ ألفي سنة مجرد فرصة لاحياء ذكرى دينية وحسب، بل كانت المناسبة دومًا فرصة لتذكّر معاني الفداء والتضحية، ومناسبة لاستحضار قوة الخير في صراعه الأزلي مع الشر . فالفصح عند أتباع الديانة المسيحية هو عيد الفرح الذي جعلته روايات الكهنة والساسة ملتبسا وغامضا، وهو عيد البهجة والنور الذي يفيض في قلوب المؤمنين قبل فيضه من فجر ما زالت "رماح قيصر" تنهش في خواصره !
لقد علّق البابا لاون، الأمريكي الأصل،"جرس الضوء" وقرعه في ظلمة هذا العالم ، ليذكّر البشرية جمعاء وعلى الأخص المسيحيين بجميع طوائفهم ومشاربهم، بمعاني "القيامة" وكيف يجب أن نقرأها، لا كحادثة غيبية مضت وانتهت بل كقانون الحياة الأبقى والأدوم.
يأتي الفصح هذا العام الى شرقنا وهو محمّل بمشاهد تبدو مستنسخة، حد الصدمة، عن أحداث الرواية الأصلية: ضحية يريدون لها أن تموت لكن الموت لا يقوى عليها، وحكّام طغاة يعرفون الحقيقة لكنّهم يئدونها على مذابح مصالحهم وبدوافع نرجسية مريضة، و" شعوب" فقدت بصيرتها وبصرها حتى صارت من أبناء الظلمة كعميان رواية خوزيه ساراماغو التائهين في عالم العبث.
فبيلاطس البنطي، ذلك الحاكم الروماني الذي كان يعرف أن يسوع المسيح بريءٌ وأمر في نهاية المطاف بصلبه، لا يبدو، في هذه الأيام، شخصية تاريخية بقدر ما هو نموذج لحالة كل حاكم يرى الجريمة ويدرك مدى بشاعتها ويصمت، إما عن خوف وذلّة أو من أجل "خمسين من فضة" وعرش من قصب. إن "بلاطسة" هذا الزمان أخطر من كونهم حكامًا أفرادا؛ إنهم يتحكمون في مصائر البشرية على هيئة ما يسمى "النظام العالمي" الذي يعتاش ومجتمعاته على مقايضة الدم بالمصلحة وعلى ذبح العدالة في "جزر الشيطان" وقصور من وهم وخنا. بعضهم متورطون في دم الضحية وبعضهم مثل بيلاطس، لا تضغط أيديهم على الزناد، لكنهم استدعوا القاتل ليسكن أرضهم ويحمي قصورهم وخزائنهم وحدودهم. فكم من بيلاطس حولنا يرى كيف تُقطّع دول الشرق وتدمّر مدنها وتباح مقدساتها ويُقتل أهلها ويغسل أيديه متبرّئا "من دم ذاك البار" ويمضي ليستغفر "آلهة" تقبل الصلاة من أياد تنقط بالخيانة وبالدم ويدفع "لقيصر" الجزية وهو صاغر .
كل بيلاطس وله كهّانه الذين لم يعودوا حراسًا لكلام الرب بل تحولوا لخدام عند دهاقنة السياسة ووعاظ في بلاط السلاطين. "الكهنة" اليوم لا يعملون في المعابد فقط، بل تجدونهم في كل المواقع والمنابر؛ ومهمتهم أن يكونوا جندا مخلصين وأن يبيّضوا موبقات الحكام ويسوّقوا تعريفات جديدة ومبتكرة لكبائر ولجرائم أسيادهم؛ فيحولون حروبهم الوحشية، مثلا، "لعمليات عسكرية" وقائية، ويصير تدمير حي أو قرية أو مدينة في قواميسهم، خطة "للحسم" وضمانة لتطهير العالم من الأشرار. إنّهم صنّاع لغة الموت؛ فالضحايا/الموتى عندهم يصيرون أرقامًا، والدماء قرابين تراق استرضاء للسماء وتجنبًا لغضبها.
لن يكتمل المشهد من غير وجود "السيّد والشعب" ؛ ففي وسط "المسرح" وقف عامة الشعب وبعض من نخبه وصرخوا: "أصلبه، أصلبه"؛ ولم يكفّوا حتى أقنعوا روما "بالجريمة". بعضهم كان يريد التخلص من يسوع بسبب تعاليمه التي شكّلت خطرا على مصالحهم وهددت استدامة نفوذهم، وبعضهم كانوا بسطاء وجهلة حُرّضوا حتى هُندست عنصريتهم وسكنهم الخوف المصنّع ، فعبدوا رب كهنتهم وقوة قيصرهم.
أمّا سيّد المشهد كان وبقي كما كان، الحاكم القادر على كل شيء، إن أراد أمات وإن أراد أحيا؛ وإن اشتهى نال وإن نوى عفا. إنه الامبراطور الذي لا "يغسل يديه"، مثلما فعل بيلاطس، بل يرفعها ليهدد بها أمم العالم وحلفاءه وكي يسخر منهم أحيانا. إنه لا يتقن إلا لغتين: لغة المال ولغة القوة، وهو على يقين أن الشعوب، لا سيما من يعتبرهم متخلفين ومحتقرين، يفهمونها.
قد تكون من المفارقات الغريبة أن بيلاطس، الذي نتذكره اليوم وفي كل فصح، قد عاش في زمن الامبراطور تيبيريوس وخلفه الأمبراطور كاليجولا، الذي عُرف بجنونه ونرجسيته وساديّته، وكأني بها مفارقة أوقعها القدر لحكمة ولعبرة: فكما لكل زمن "نيرونه"، هكذا هي الدنيا، لكل زمن فيها كاليجولاه!
وعودة لما قال البابا لاون منتصرا للخير ولغلبة الحياة على الموت "إن قيامة المسيح هي انتصار الحياة على الموت، فكيف نجرؤ نحن البشر على اختيار الموت لغيرنا". إنها حكمة الفصح الكبرى التي يتنكر لها ترامب وجميع القادة الذين يتخذون القوة والحروب وقتل الناس دينا لهم. فالفصح هو عيد القيامة، عيد التحرر، وعيد الفداء، وهو، وهذا الأهم، اعلان تفوّق الضحية على سيّافها، وتقديم ضعف البشر كقيمة انسانية عليا، هي أقوى من كل أدوات السيطرة والقتل. فالقيامة، عند المؤمنين بها، ليست حدثا غيبيا وعابرا، بل هي اعلان عن فشل نظام الظلم كله، وفشل الحاكم الذي، رغم سلطته، لم يستطع أن يحمي نفسه بالحقيقة، وفشل مؤامرة الكهنة لانها لم تصمد أمام سر القيامة وقوة الصليب.
لا يختلف فصحنا اليوم عن ذاك الفصح الذي كانت عبرته الأولى أن الوقوف على الحياد ساعة ارتكاب الجريمة خطيئة، فلكي تكون شريكا بالجرم، ليس بالضروره أن تحمل السيف أو تقود طائرة حربية أو دبابة ، بل يكفي أن تصمت أو أن تقول بضع كلمات قاتلة.
في الفصح يُسأل الناس، كل الناس، أين يقفون من تلك الجريمة، أمع قيصر وبيلاطس الذي غسل يديه ومضى ؟ أم مع الكهنة الذين حرّضوا ولفقوا ونجحوا في مؤامرتهم؟ أم مع الشعب الذي هتف وانتشى حين دُقت المسامير في يديّ يسوع على الصليب ؟ أم مع الضحية ؟
لقد كانت أهم العبر التي خلّدها فصح المسيحيين هو أن المؤمنين لا يموتون، بل يرقدون على رجاء قيامة ستكون حتما بداية حياة جديدة، وأن الحقيقة مهما ديست وانطمرت لا بد لها في يوم ما أن تبعث من "بين الأموات ".
لقد عاش بيلاطس ومات مغضوبا عليه من قيصر، كما جاء في الروايات؛ أما موقع محكمة يسوع فما زال قائما فوق قوس تسمى "قوس بيلاطس" في قدس فلسطين، التي بقيت عروس السماء، وما زالت تشهد على "طريق الآلام" وعلى جريمة كان وراءها كهان وصيارفة وسماسرة وشهود زور كانت وظيفتهم أن يجعلوا، لدى حاكم فاسد ما هو ليس مقبولا، مقبولا.
ولكن "التاريخ لن يغفر لمن يظن أن القوة العسكرية تمنحه الحق في تدمير ذاكرة بشرية" هكذا صرّح البابا لاون في وجه ترامب وأعوانه، وهذا الكلام صحيح وموجع، لأن هذه الحرب ستنتهي، كما يبدو، باتفاق سيرضى عنه "بطالسة النظام العالمي الجديد" وستبقى قضية فلسطين وشعبها هي "الضحية" التي تنتظر يوم قيامتها.
فكل فصح وجميعكم سالمون






0 comments:
إرسال تعليق