هل كانت كل فلسفة قريبة من العلوم والتقنية بالضرورة بعيدة عن الأدب والشعر؟/ د زهير الخويلدي



مقدمة:


في تاريخ الفلسفة الغربية يتكرر افتراض ضمني يُقدَّم أحياناً كبديهية: كلما اقتربت الفلسفة من العلوم والتقنية، ابتعدت بالضرورة عن الأدب والشعر. يُصوَّر العلم والتقنية كمجال الدقة والحساب والموضوعية، بينما يُصوَّر الأدب والشعر كمجال الغموض والعاطفة والخيال. هذا الافتراض يعتمد على ثنائية تقليدية عميقة الجذور: العقل مقابل الوجدان، البرهان مقابل الاستعارة، التحليل مقابل الإبداع. لكن هل هذه الثنائية ضرورية؟ هل كل فلسفة أخذت العلم والتقنية موضعاً مركزياً في تفكيرها كانت محكوماً عليها أن تبتعد عن اللغة الشعرية والسرد الأدبي؟


هذه الدراسة ترفض الإجابة بالإيجاب. إنها تُبيِّن أن الاقتراب من العلوم والتقنية لا يفرض بالضرورة بعداً عن الأدب والشعر؛ بل إن بعض أعمق الفلسفات التي تعاملت مع العلم والتقنية بجدية تامة كانت في الوقت نفسه فلسفات شعرية وأدبية في جوهرها. المقاربة هنا معاصرة بمعنى أنها لا تقتصر على استعادة تاريخية، بل تُضيء واقعنا اليوم: عصر الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية، حيث أصبحت الحاجة ماسة إلى فلسفة تجمع بين دقة العلم وخيال الشعر لمواجهة أسئلة الوجود الإنساني في عالم يتحول بسرعة. سنرى أن اللغة الفلسفية قادرة على أن تكون علمية وشعرية في آن، وأن هذا الجمع ليس تناقضاً بل هو شرط لفلسفة حية. كيف يمكن تفكيك الثنائية المفترضة؟


أولا: لحظات التاريخ حيث بدت الثنائية قائمة – لكنها ليست ضرورية


ليس من الصعب العثور على أمثلة تُوحي بأن الاقتراب من العلوم يؤدي إلى الابتعاد عن الشعر. في القرن العشرين، على سبيل المثال، شهدت الفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية (مثل أعمال كارناب ورايشنباخ) اقتراباً حميماً من المنطق الرياضي والفيزياء والعلوم التجريبية. كانت هذه الفلسفات تطالب بـ«لغة علمية» صارمة، خالية من الغموض الميتافيزيقي، وترى في الشعر والأدب مجرد «انفعالات» غير قابلة للتحقق. التقنية هنا تُفهم كتطبيق للعلم، والفلسفة تصبح «تحليلاً منطقياً» للغة العلمية. يبدو أن الشعر قد طُرد من الميدان لصالح البرهان. كذلك، في بعض فلسفات التقنية الحديثة المبكرة، مثل تلك التي تأثرت بالمادية الميكانيكية في القرن السابع عشر (ديكارت ولابلاس)، أصبح العالم آلة قابلة للحساب، والتقنية امتداد لهذا الحساب. اللغة الفلسفية هنا تصبح هندسية، والشعر يُنظر إليه كبقايا من عصر ما قبل العلمي. يبدو أن الاقتراب من «العقل التقني» يتطلب نفي «العقل الشعري». لكن هذه الأمثلة لا تثبت الضرورة. إنها تعكس اختياراً تاريخياً معيناً – اختياراً ثقافياً غربياً حديثاً – وليست قانوناً أنطولوجياً. ففي اللحظات نفسها التي بدت فيها الثنائية قائمة، كانت هناك فلسفات أخرى تكشف عن إمكانية الجمع. الاقتراب من العلم والتقنية لا يفرض نفي الشعر؛ بل يمكن أن يُعيد صياغته كأداة معرفية أعمق.


ثانيا: الأمثلة المضادة – فلسفات تجمع العلم والتقنية بالشعر والأدب


أول مثال تاريخي يفجر الثنائية هو أرسطو. لقد كان أرسطو فيلسوفاً علمياً بامتياز: درس البيولوجيا والفيزياء والفلك، ورسم تصنيفات دقيقة للكائنات الحية، وربط التقنية بالمعرفة العملية. لكنه في الوقت نفسه ألَّف «فن الشعر»، واعتبر الشعر أرقى من التاريخ لأنه يصل إلى الكليات عبر الخيال. عند أرسطو، الشعر ليس بعيداً عن العلم؛ بل هو مكمِّله. التراجيديا، مثلاً، تُحاكي الفعل الإنساني بطريقة تكشف قوانين الطبيعة والنفس. هنا لا يوجد تناقض: العلم يصف «ما هو»، والشعر يكشف «ما يمكن أن يكون» داخل الواقع نفسه.


في العصر الحديث، يبرز غاستون باشلار كمثال حاسم. باشلار فيلسوف علوم بامتياز: درس تاريخ الفيزياء والكيمياء، وصاغ «الروح العلمية الجديدة» التي تؤكد على الثورات المفاهيمية في العلم (من أينشتاين إلى الكم). لكنه في الوقت نفسه كتب سلسلة كاملة عن «الشعرية» (شعرية المكان، شعرية الأحلام). عنده، الخيال الشعري ليس نقيض العلم؛ بل هو شرطه. الخيال يسبق الاكتشاف العلمي، ويُعيد تشكيل الصورة التي ينظر بها العالم. التقنية عند باشلار ليست مجرد أداة؛ بل هي امتداد للخيال الذي يُعيد تشكيل المادة. هكذا يصبح العلم نفسه شعرياً: تجربة الذرة أو الفضاء تُصبح مادة للرؤيا الشعرية. باشلار يثبت أن الاقتراب الشديد من العلم لا يبعد عن الشعر؛ بل يُعمق الشعر ويجعله أكثر دقة.


مثال آخر معاصر هو جيل دولوز (مع فيليكس غاتاري). دولوز فيلسوف قريب جداً من العلوم: يستخدم مفاهيم من الرياضيات (الطوبولوجيا، الريمان)، البيولوجيا (الجينات، التطور)، والفيزياء (الكم، القوى). يتحدث عن «مفاهيم علمية» كأدوات فلسفية. لكنه في الوقت نفسه يغرق في الأدب والشعر: يقرأ كافكا وبروست وبيكيت كما يقرأ أينشتاين. كتابه «ما هو الفلسفة؟» يجعل الفلسفة والعلم والفن ثلاثة أنماط متكافئة للإبداع. التقنية عنده (مثل الآلة المجردة) ليست نقيض الشعر؛ بل هي إحدى تجلياته. الشعر هنا ليس زخرفة؛ بل هو «مفهوم شعري» يُعيد ترتيب العالم العلمي نفسه. دولوز يظهر أن الفلسفة التي تتعامل مع التقنية بجدية يمكن أن تكون أدبية في أسلوبها ومفاهيمها.


كذلك، موريس ميرلو-بونتي: ظاهرية الإدراك تجعله قريباً من علم النفس والعصبيات والفيزياء الحسية. يدرس الجسد كظاهرة علمية. لكنه يلجأ إلى الشعر والرسم (سيزان) كطريق لفهم «الجسد-عالم». اللغة الشعرية عنده ليست بعيدة عن العلم؛ بل هي الطريقة التي يكشف بها العلم عن أبعاده الخفية. التقنية (مثل السينما) تصبح أداة شعرية تُعيد تشكيل الإدراك.


هذه الأمثلة ليست استثناءات نادرة؛ إنها تكشف عن نمط: عندما تكون الفلسفة قريبة من العلم والتقنية بطريقة إبداعية (لا اختزالية)، فإنها غالباً ما تلجأ إلى الشعر لتكمل نقص اللغة العلمية. الشعر هنا ليس «زينة»؛ بل هو أداة معرفية تسمح بتجاوز حدود البرهان إلى مناطق الغموض والإمكان.


ثالثا: الأسباب الفلسفية لعدم الضرورة – اللغة والخيال كجسر مشترك


لماذا لا تكون الضرورة قائمة؟ لأن الفكر الفلسفي نفسه يحتاج إلى لغة مزدوجة. العلم والتقنية يتعاملان مع «الكيف» (الآليات، الحسابات)، بينما الأدب والشعر يتعاملان مع «المعنى» (التجربة، الإمكان). لكن الفلسفة تقف في المكان الذي يلتقي فيه «الكيف» بـ«المعنى». عندما تكون الفلسفة قريبة من العلم، فإنها تواجه حتماً حدود اللغة العلمية: الرياضيات تصف الحركة، لكنها لا تصف «الدهشة» أمام الحركة. هنا يأتي الشعر ليملأ الفراغ دون أن ينفي العلم.الخيال ليس نقيض العقل العلمي؛ بل هو شرطه. كما أظهر باشلار، الخيال العلمي يسبق الفرضية. والتقنية نفسها – كما في فلسفة غيلبرت سيموندون أو برنارد ستيغلر – هي امتداد للخيال الإنساني. إذا كانت التقنية «تفكيراً متجسداً»، فإن الشعر هو «التفكير المجسَّد» في لغة. لذا فإن أي فلسفة تتعامل مع التقنية بصدق لا تستطيع أن تبتعد عن الشعر؛ لأن التقنية تثير أسئلة وجودية (السرعة، الذاكرة، الجسد) لا يمكن الإجابة عنها بحسابات فقط.


رابعا: فلسفة التقنية في عصر الذكاء الاصطناعي


في عصرنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً. الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والنانو-تقنية تقترب من حدود الإنسانية نفسها. فلسفة التقنية اليوم (مثل تلك التي يمارسها برونو لاتور أو دون إيهيد) لا تستطيع أن تكون علمية بحتة؛ فهي تحتاج إلى سرد أدبي وخيال شعري لتتخيل «ما بعد الإنسان». نماذج الذكاء الاصطناعي تولِّد نصوصاً تبدو شعرية، لكن الفلسفة التي تدرسها تحتاج إلى شعر حقيقي لتسأل: ما معنى أن «تكتب» آلة؟الفلسفات التي ترفض الشعر في مواجهة التقنية تصبح سطحية: تُحوِّل التقنية إلى مجرد «أداة» أو «تهديد». أما الفلسفات التي تجمع بينهما (كما في «المادية الجديدة» أو «الفلسفة الطيفية») فتستطيع أن ترى التقنية كشعر متجسد، والشعر كتقنية لإعادة تشكيل العالم. هكذا تصبح الفلسفة قادرة على مواجهة التحدي المعاصر: ليس بالابتعاد عن أحدهما، بل بالجمع بين دقة العلم وعمقه الشعري.


خاتمة:


 لم تكن كل فلسفة قريبة من العلوم والتقنية بالضرورة بعيدة عن الأدب والشعر. الثنائية التي تبدو بديهية هي في الواقع اختيار تاريخي محدود. التاريخ الفلسفي يقدم لنا نماذج غنية – من أرسطو إلى باشلار إلى دولوز – تثبت أن الاقتراب من العلم والتقنية يمكن أن يُثري الشعر ويُعمق الأدب، بل يجعلهما ضروريين لفهم العالم الذي يصنعه العلم نفسه. في عصرنا، المهمة ليست اختيار أحد الجانبين، بل إعادة اكتشاف اللغة الفلسفية كلغة مزدوجة: دقيقة كالمعادلة، ومفتوحة كالقصيدة. هذا الجمع ليس ترفاً؛ بل هو الطريق الوحيد لفلسفة تستحق أن تُسمى معاصرة – فلسفة تفهم التقنية بعمق علمي، وتعيشها بعمق شعري. الفلسفة الحقيقية لا تبتعد عن الشعر عندما تقترب من العلم؛ بل تكتشف أن الشعر كان دائماً جزءاً من العلم الأعمق. فكيف نسير نحو فلسفة متكاملة؟


كاتب فلسفي

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق