F. Nietzsche
نيتشه فيلسوف ألماني وُلِدَ في 15 أُكتوبر 1844 وتوفي في 25 آب ( أٌغسطس ) سنة 1900 . [ أُصيبَ نيتشه في عام 1889 بنوبة حادة من الشلل الجنوني العام ومن أعراض هذا المرض هذيان العظمة . المصدر 1 هامش الصفحة 23 والمصدر الثاني ].
قيل الكثير وكُتب الكثير عن هذا الرجل الذي ( ملأ الدنيا وشغل الناس ) وحيّرالكثيرين واختلفوا فيما كتب وما قال وخاصةً موقفه من الدين ومن الرب [ الإله مات ]... كشْ مَلِكْ !
وموقفه من المرأة وحول كتابه الشهير { هكذا تكلّم زُرادشت } (3 ) وجنونه وعلاقة فلسفته بجنونه هذا. لكني وجدتُ نفسي شغوفاً بمسألة أخرى تتعلّق بموقف هذا الرجل من مسألة الإشتراكية وهل كان صديقاً لماركس أو ناقشه في رأس المال والدايالكتيك المادي والإشتراكية ؟ لم أجد فيما لديَّ من مصادر شحيحة ما يُشير إلى ذلك. وبنفس المقدار، ما كانت علاقته بالفيلسوف الألماني المثالي الشهير هيكل
Hegel
وهل ناقشه أو كتب عنه ؟
إنها لا ريبَ بداية جيدة أنْ أقتبس ما كُتب في المصدر ( 1 ) * تحت عنوان " نيتشه والإشتراكية "
(( كانت الإشتراكية في غهد نيتشه مذهباً لم يُثبّت أقدامه بعد. وإنَّ الناقد الحالي لنظرة نيتشه إلى الإشتراكية ليتعرض منذ البداية لأعتراض أساسي،يُنبّه إلى الفارق بين الدور الذي تلعبه الإشتراكية في عصرنا الحالي، حين أصبحت عاملاً رئيسياً في التوجيه السياسي والإقتصادي للعالم، وبين دورها الضئيل في عصر نيتشه. وهكذا يواجه كل نقد لآراء نيتشه في هذا الصدد بسؤال هام هو : تُرى هل كان نيتشه يقف من الإشتراكية نفس الموقف لو كان يعيش في عصرنا الحالي؟ وليس لنا على هذا السؤال من رد سوى أنْ نقول إنَّ الإعتراضات التي وجهها نيتشه إلى الإشتراكية هي بعينها تلك التي لا يزال خصومها يوجهونها إليها حتى اليوم. وهذا التشابه بين موقف نيتشه وموقف الناقدين المعاصرين للإشتراكية.، يحملنا على الإعتقاد بأنه لم يكن ليغيّر آراءه لو أنه شهد الإشتراكية من خلال المنظور الحالي، بل ربما كانت حملته على هذا المذهب الذي يبغضه تزداد عندئذٍ حِدّةً، وذلك حين يراه يزداد انتشاراً وتوسعاً )). مُلخص آراء نيتشه في الإشتراكية (1) :
1ــ الطبقات الدنيا هي عنده أقل الطبقات شعوراً بما هي فيه من عوز وحاجة
2ــ الإشتراكيون يُخطئون حين يعتقدون أنهم قد وضعوا أنفسهم موضع هذه الطبقات الدنيا وأحسوا بما هم فيه من آلام، ذلك لأن الآلام تزيد بارتفاع المستوى الثقافي. فالطبقات الدنيا هي الأقل إحساساً وعلى ذلك فرفع مستواها يعني زيادة إشعارها بالآلام.
3ــ إنَّ الإشتراكية هي مطالبة الطبقات الدنيا بإصلاح حالها ولكنَّ هذه المطالبة في رأي نيتشه لا تكفل العدالة على الإطلاق، إذْ أنها ما صدرتْ إلاّ عن الحقد والحسد ومن التطلّع إلى ما في أيدي الغير.
4 ــ العدالة الحقة في نظر نيتشه فهي أنْ يفيضَ مَن يملك على مَن لا يملك. فالطريقة الوحيدة التي يمكن أنْ تقومَ بها إشتراكية ترتكز على العدالة، هي أنْ تمنح الطبقة الحاكمة حق المساواة للآخرين. أما أنْ يطالب الآخرون بالمساواة كما هو الحال في الإشتراكية المألوفة ، إشتراكية الطبقات المكبوتة فما هذا في حقيقة الأمر إلاّ حقد وطمع.
5 ــ تحقيق الهدف الإشتراكي يؤدي في رأي نيتشه إلى خلق إنسانية خاملة. فالأشتراكيون يتوقون إلى أنْ يكفلوا حياة هانئة لأكبر عدد ممكن من الناس. ولو تحقق ذلك بالفعل في مقر دائم للحياة الهانئة، الدولة الفاضلة، لقضى ذلك العيش الهانئ على التربة التي تنبت فيها العقول الكبيرة والأفراد العظام بوجه عام. يقصد نيتشه بهذه التربة الفاعلية الزائدة. فعندما تتحق تلك الدولة تكون الإنسانية قد أصبحت أكثرَ خمولاً من أنْ تُنجب العبقرية.
6 ــ التفاوت الطبيعي بين الأفراد : الإشتراكية تبعث بين الناس نوعاً من المساوة المصطنعة، إذْ أنَّ الطبيعة لا تعرف إلاّ التفاوت في المرتبة وكل محاولة لجعل الناس متساوين هي محاولة مُضادة للطبيعة. التفاوت الإجتماعي القائم هو في الوقت نفسه تفاوت في الطبيعة بين الأفراد.
7 ــ لا يمكن أنْ تقومَ حضارة رفيعة إلاّ حيث توجد في المجتمع طبقتان متميّزتان : طبقة العاملين وطبقة المُترفين الذين يمكنهم أنْ يعيشوا دون أي عمل. وأنَّ كل إرتقاء بالنوع الإنساني كان حتى اليوم من عمل مجتمع أُرستقراطي .. ويرى نيتشه أنَّ الرِق بأي معنى من معانيه ضرورة محتومة. وأنَّ نظام الرق اليوناني الذي أنجب تلك العقول النظرية الكبيرة هو أصلح النُظم .. لذلك يدعو نيتشه إلى نوع من الرق.
هل ناقش ماركس أو أنجلز أو الأشتراكيون عموماً آراء نيتشه هذه ؟ للأسف لا معلومات لديَّ تخص هذا الموضوع ولكن، وعلى أية حال، لا أتوقف مع ورد في الفقرات 1و2و3و4
لأنها متهافتة وسخيفة ولا تستحق المناقشة ولا سيّما قوله في الفقرة الثانية [ رفع مستوى الطبقات الدُنيا يعني زيادة إشعارها بالآلام ] ! لا أحدَ يدري على أي أساس ومنطق إتخذ نيتشه هذا القرار من أنَّ رفع مستوى الناس يؤدي إلى المزيد من الآلام ؟ أية آلام والآلام شتّى ؟ هل يتألم الفقير إذا شبع وتنعم وتثقف وضمن له ولعائلته مورداً مضموناً وسكناً لائقاً وعلاجاً مجانياً واقتنى من الكماليات ما يريد ويشتهي ؟ يزداد وعيه الطبقي نعم ولكنْ ما قيمة وما مكان الألم ؟ بلى، قال قبل نيتشه فلاسفة آخرون ( كلما زاد علم المرء زاد جهله ) لكنهم لم يذكروا الألم وما قالوا يزداد ألمه فالجهل بالشئ شئ والألم شئ آخر مختلف.
لا أُناقش مثل هذه الموضوعات فهي لا تستحق النقاش لكني أولي إهتماماً خاصاً بموضوعات وردت في الفقرات 5 و 6 و 7 خاصةً ناقشها هذا الفيلسوف المريض حد الجنون وشذَّ عن الكثير من الفلاسفة ممن عاصره أو سبقه. ماذا قال في هذه الفقرات وما فهمنا منها وقد كشف طبيعته وميوله ومعتقداته العميقة وجذوره الطبقية ونزعته للتعالي وتمجيد القوة ( إرادة القوة ) والسوبرمان النموذج الذي أفرز شخصاً مثل هتلر وما جرَّ هذا على المانيا وعلى بقية شعوب الأرض. وخلاصة ما ورد في هذه الفقرات الثلاث أنَّ الإشتراكية تؤدي إلى خلق إنسانية خاملة وأنَّ الطبيعة لا تعرف إلاّ التفاوت في المرتبة وأخيراً إيمانه المطلق بضرورة وجود طبقتين عليا ودنيا ، طبقة المترفين من نوابغ ومفكرين وعباقرة وأطباء وشعراء وفلاسفة وطبقة أخرى للعبيد المنصرفين للعمل الجسدي فقط .. مع ذِكر خاص لنظام الرق اليوناني حيث قال [ إنَّ الرِق بأيِّ معنى من معانيهِ ضرورة محتومة / الفقرة السابعة ]. إذا أردنا تصنيف وتوصيف هذا الرجل فسنقول عنه إنه رجل عنصري طبقي ورجعي ومصاب بهوس وجنون العَظَمة وعدو للمرأة وضد مبدأ الرحمة الإنسانية.
هل الإشتراكية تؤدي إلى خلق إنسانية خاملة ؟ هذا سؤال كبير حريٌّ بكل ذي شأنٍ أنْ يقف عنده ويفكّر فيه مليّاً. عاش نيتشه قبل قيام أول نظام إشتراكي قام على أسس نظرية علمية هي الماركسية الدايالكتيكية في روسيا إثر ثورة 1917 البلشفية فكيف وصل أو هداه علمه وتكهناته إلى مثل هذه النتيجة التي سبق بها عصره وزمانه ولم يسبقها في التأريخ البشري ستلقة مثيلة ؟ ما هي أُسسه وبراهينه ولم يرَ أية تجربة إشتراكية عاصرته أو سبقته ؟ لم تكن الثورة الفرنسية ثورة إشتراكية ولا ثورة الفلاحين الألمان في عام 1848 ولم تستطع كومونة باريس الصمود ليرَ الناس كيف سيكون مآل الإشتراكية فيها إنما غرقت سريعاً بالدماء وتمّ وأدها على عجل. قناعة نيتشه هذه واضحة منشأها أساساً هو إيمانه بالطبقية والطبقات والتفاوت بالطبيعة بين الناس في حين تلغي الإشتراكية هذا النفاوت الطبقي أي أنه، في نظره، تعتدي على الطبيعة وتتجاوز حدودها الأبدية. هذا هو الأصل والمبدأ كما إخالُ. كيف برر نيتشه أُطروحته هذه ؟ فسّرها بأمر مُضحك مُختلق من فراغ مؤدّاه ( الدولة الفاضلة والعيش الهانئ تقضي على التُربة التي تنبتُ فيها العقول الكبيرة والأفراد العظام ). ثم ( لا يمكن أنْ تقوم حضارة رفيعة إلاّ حيث توجد في المجتمع طبقتان متميّزتان طبقة للعاملين وطبقة المترفين الذين يمكن أنْ يعيشوا دون عمل ). إذا كانت هذه قناعاته وفلسفته فكيف يرضى بزوال الطبقية والطبقات وزوال العبيد العاملين بقوة الجسد فقط ؟ إنه يخشى من مجتمع إشتراكي خامل لكنه يورط نفسه بالدعوة إلى مجتمع فيه طبقة عليا متبطرة طفيلية تعيش على ما يقدّم لها سواها من البشر. [ وإنَّ كلَّ إرتقاء بالنوع الإنساني كان حتى اليوم من عمل مجتمع أُرستقراطي / الفقرة السابعة ].
ربَّ معترض يقول بلى، المجتمع الإشتراكي مجتمع خامل ومتأخر وقد انهار أمام الرأسمالية عام 1991 بعد أنْ صمدَ سبعين عاماً ( الإتحاد السوفييتي والمعسكر الإشتراكي ودول حلف وارشو ) فهل انهارت الإشتراكية في الصين وكوبا وبعض أقطار أمريكا اللاتينية ؟ وهل انهارت كنظرية قامت على أسس علمية أم كان انهياراً لأنظمة أخطأت في التطبيق في ظل نظام دولي صارم ظالم حاصرها وحاربها وتآمر عليها وجرّها إلى سباق تسلّح أرهقها وأنهكها وانعكس ذلك كله على الأوضاع الداخلية لهذه البلدان الإشتراكية وخاصة على وتائر إنتاج السلع الإستهلاكية اليومية الملحّة فكانت شحّة وأزمات موسمية في بعض الحاجيات التي يحتاجها الناس كلَّ يوم فضلاً عن تواضع نوعيات المنتوج المعروض مقارنة بمثيلاته في الأسواق الرأسمالية كالملابس والأحذية ثم أزمة السكن المستفحلة. وبهذه المناسبة يجدر القول إنَّ المواد الإستهلاكية والكماليات في كل من القطرين الإشتراكيين يومذاك جيكوسلوفاكيا والمانيا الدمقراطية كانت أفضل نوعية مقارنة بمثيلاتها الروسية وهذه حقيقة عرفها كل من عاش هناك زمناً. لا علاقة للإشتراكية كنظرية علمية دايالكتيكية بنوعية ومستوى إنتاج الكماليات فهذه مرهونة بشروط داخلية وخارجية. عشت ست سنوات في موسكو ( 1962 / 1968 ) فلم ألحظ أي ترهل في صفوف الطبقة العاملة بل رأيت الغالبية العظمى من الناس صابرين صامتين مبررين وقانعين مع بعض الملاحظات وطبيعي لم يخلُ الأمر من بعض العائبين والساخطين واللامزين والمحرّضين. كانت أزمة السكن هي الأزمة الكبيرة حيث كانت كل عاملتين عزباوين تعيشان في حجرة واحدة في قسم داخلي كبير فيه مطابخ وحمّامات كثيرة واسعة بل وعرفت عاملة في مخزن تشارك عائلة من زوجين وطفلين شقةً مكونة من ثلاث حجرات إثنتان لهذه العائلة وواحدة لها وابنها ( عشر سنوات ). كما عرفت معلمة قالت لي إنها سجّلت على شقة جديدة فوُضعت في قائمة الإنتظار وستستلم شقتها بعد عشر سنوات ! وفي نفس الوقت عرفت عاملاً يعيش مع زوجته وطفلهما في شقة حديثة كبيرة فارهة. ليس هناك شحّاذون ولا مَن يعيش في الشارع لا سقفَ فوق رأسه غير السماء والتعليم بكافة مراحله مجاني والطب مجاني وطلاب الجامعات والمعاهد يقبضون مخصصات شهرية وإنْ كانت زهيدة. الطريف أنَّ راتب سائق الحافة العمومية أكبر من راتب الطبيب والمهندس والكثير من كوادر البحث العلمي في الجامعات والأساتذة المبتدأين. كان لي صديق معي في موسكو دائم النقد وبلسان جارح لا تمر أمامه ظاهرة ما إلاّ وأشبعها نقداً وتجريحاً فمثلاً كان يعلّق على طوابير الناس الطويلة التي تنتظر شراء الموز أو المندرين أو غيرهما من الفاكهة أو بعض البضائع شتاء قبل أعياد رأس السنة عادة بقوله [ هذه إحدى أشكال التضخم ]. كان هذا الصديق يتمتع بزمالة دراسية طويلة منحته له ( ولكثيرين غيره ) الحكومة السوفييتية.
أين الخمول يا نتيشه ولماذا الخمول في الإنتاج والدولة دولة عمال وفلاّحين ؟
• المصادر
• 1ــ نيتشه تأليف الدكتور فؤاد زكريا. دار المعارف بمصر. الطبعة الثانية بدون تأريخ.
• 2 ــ مقالة عن نيتشه بقلم قرطبة الظاهر منشورة في موقع " أخبار " لصاحبه ومحرره الأستاذ نوري علي في مدينة ميونيخ. الرابط https://akhbaar.org/home/2016/3/208182.html
• 3 ــ فردريك نيتشه. كتاب ( هكذا تكلّم زرادشت ) منشورات الجمل في المانيا / كولونيا الطبعة الأولى 2007 .






0 comments:
إرسال تعليق