عرفت الحياة الثقافية والأدبية حسني الإتلاتي شاعرا مجيدا وناقدا مقتدرا، صدر له تسعة دواوين شعرية، وهي :
1 – نتوءات على جسد نحيل 1999م.
2 – البشارة ( أغاني للحب والثورة ) 2002م.
3 – نقوش على جدار الروح 2014م.
4 – الأبيض يفرض سطوته 2014م.
5 – الغبار ( للمهزومين أن يفخروا بالبطولة ) 2019م.
6 – يؤرقه الحنين 2020م.
7 – يرتل سورتها في الغياب 2022م.
8 – آهات الجبل والنيل 2024م.
9 – برديات جديدة للفلاح الفصيح 2024م.
وكما عرفت قصائده طريقها إلى النشر بكبريات الصحف والمجلات المصرية والعربية، عرفت أيضا مقالاته ودراساته النقدية طريقها إلى النشر.
وسنكتفي في هذه المقالة بمقاربة ديوانه ( الغبار " للمهزومين أن يفخروا بالبطولة " ) نقديا.
والشاعر حسني عبدالحميد عبدالفتاح السيد وشهرته ( حسني الإتلاتي ) نسبة إلى قريته ( الإتلات ) مركز مطاي بمحافظة المنيا، فالتصقت به قريته والتصق بها ( التصاق الراحتين بالأصابع ) وما بين القوسين هو تعبير لأحد الشعراء عبر به عن حبه لمحبوبته، وقرية الإتلات هي حب الشاعر وعشقه، حتى لو غادرها إلى أسوان والإقامة بها للعمل ككبير معلمين للغة العربية بإحدى مدارسها الثانوبة؛ فهي بيئته الأولى التي درج فيها، وتشرب عاداتها وتقاليدها، وستظل رمزا للأصالة وحاضنة للقيم، التي تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، منذ بزوغ فجر الضمير، وفجر الضمير بزغ أول ما بزغ للإنسانية كلها من مصرنا العزيزة، وليس ما أقوله إنشاء أجوف، ويمكن للقارئ الكريم أن يعود إلى كتاب ( فجر الضمير ) لجيمس هنري بريستد.
ولد حسني الإتلاتي في العام الأول من سبعينيات القرن الماضي، وشهدت حقبة السبعينيات تحولات كبرى في المجتمع المصري، فكان عبدالناصر قد رحل بنظامه الاشتراكي، وجاء السادات بنظامه الرأسمالي، وتحول المجتمع مائة وثمانين درجة، ولم نجن في هذا العقد ثمرة نصر أكتوبر، أعظم انتصاراتنا في العصر الحديث، قد تم وأده وإجهاضه باتفاقية ( كامب ديفيد )، وكان أيضا فرار الانفتاح الاقتصادي المتسرع وغير المدروس، انفتاح ( السداح مداح ) بتعبير الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين، فلم تكن البلاد مهيأة لمثل هذا القرارات في ذلك الوقت، فأفرزت لنا ( الإقطاعيين الجُدد ) من رجال نهب المال لا رجال الأعمال الوطنيين، وعادت الرأسمالية من جديد إلى ما كانت عليه قبل ثورة 1952م، عادت أكثر بشاعة ووحشية، والطبقة المتوسطة التي هي عماد أي مجتمع تآكلت وتقلصت، وعدنا إلى مجتمع النصف في المائة، القلة القليلة تملك والأغلبية الكاسحة حُفاة عراة، يعانون الفقر والمرض والعوز والحاجة.
كان هذا بإيجاز أحوال المجتمع السياسية والاقتصادية التي عاشها الشاعر منذ ظفولته الباكرة، وتفتح وعيه على أثرها السيئ على المجتمع المصري بصفة عامة والمجتمع الريفي في قريته ( الإتلات ) بصفة خاصة، وكان عليه منذ أن تفتقت قريحته الشعرية أن يختار، إما أن ينضوي تحت جناح النظام والسلطة، ويكون بوقا للسلطة، ويوظف موهبته التي حباه الله بها للدفاع عن النظام، ومبررا لأفعاله، وإما أن ينحاز للفقراء والمهمشين ويكون لسان حالهم، معبرا عن أفراحهم القليلة وأحزانهم الكثيرة، عن انكساراتهم وتطلعاتهم إلى حياة ممكنة وأكثر احتمالا، وأبت أصالته كشاعر خارج من ثرى ريف الصعيد الطيب إلا أن يكون مدافعا عن هؤلاء البؤساء، ومطالبا بحقهم في العيش في وطن يكفل لمواطنيه العيش في حرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية.
==
من الإهداء الطويل نسبيا يلحظ القارئ صراحة الشاعر الشديدة في تصويره للواقع المصري، في نصف القرن الأخير على الأقل، يصور الواقع على ماهو عليه من انحراقات وأثرها السيئ على المجتمع، واجتزأ من بعض قصائد الديوان، بعض الأبيات التي تكشف من البداية عن الكثير من أفكاره ورؤاه، وقناعاته وانحيازاته، وهي عبارة عن صرخات موجعة ومؤلمة، فيقول :
1 – إلى الصغار الذين أنجبتهم الخطيئة
والظروف السيئة.
2 – إلى الذين بيوتهم الرصيف
أجسادهم طعام الشمس
وإبر الشتاء مغروزة بعظامهم.
3 – إلى الذين يسكنون القبور
وساعة الموت .. لا قبر لهم.
4 – إلى الذين يأكلون هياكل الدجاج
مسمومة
مسمومة
ولا يلعنون رجال أعمالنا الطيبين القتلة.
5 – إلى الذين في المستشفيات الحكومية
يدفعون تذكرة للطبيب ولا علاج.
6 – إلى بائعات الخضار الرخيص
الذي جف من الشمس
وجف من الصبر ريقهن.
7 – إلى أصحاب العربات الكارو
أعرف أنهم يضنون بالجنيه والجنيهين
ليشتروا البرسيم لحمار لا ذنب له
ويدفعون صغارهم لتجار الرقيق لجنيهين اثنين.
8 – إلى أطفال الورش
وصبيان الحرف اليدوية
الكفوف التي تلتصق على خدودكم الطرية
بلا سبب يذكر
تقسمني نصفين.
9 – إلى الفلاحين الأجرية
تمتلكون اخضرارا يتسع لعالم
ولا يمتلك العالم خبزا لكم.
ويقول في نهاية الإهداء :
أه
يا أصدقائي الطيبين
لا أملك سوطا؛ كي أجلد الطغاة
والإقطاعيين
أولاد الزناة الذين يسرقون أقواتكم
أنا واحد مثلكم
ومثلكم
أجلس في الصفوف الأخيرة
ومثلكم أنتظر.
وبعد قراءة الإهداء يكون القارئ قد تهيأ تماما لتلقي قصائده النارية، فالشاعر كان واضحا وصادقا وأمينا، وأعلن من البداية في إهدائه بأنه المنافح والمدافع عن الطبقة الفقيرة والمهمشة وكل من يعيشون على أطراف الحياة، وهو لا يملك غير الشعر، وسار على درب أحمد مطر ومظفر النواب من الشعراء المعاصرين، فهما أول من أدخلاه إلى مدينة الشعر، وفتحا له بابها، الشعر الثائر الغاضب المتمرد على الأوضاع السيئة، ولم يكن أمل دنقل ونجيب سرور بعيدين عنه، ويتنبأ بمصيره كشاعر متمرد، فهو مصير طرفة بن العبد، اختار الطريق الشائك الصعب، فيقول في قصيدته ( منذ بدء الخليقة ) :
" قلت هو الشعر لا ملجأ لي إلا إليه
كان أحمد مطر ومظفر النواب يحرسان الباب
قالا : تفضل! فارتعشت
لم يكن نجيب سرور بكامل بهاه
-ليساعدني على الدخول – رغم أنه أجملهم
ولم يمكث أمل دنقل معي طويلا
كي يخبرني كيف لا تموت النوارس في الغرفة 8 ولا المتنبي
وها أنذا مثل طرفة بن العبد
أعيش طريدا طريدا آخر الصف
.. فقصار القامة يتقدمون الصفوف!
منذ بدء الخليقة "
والشاعر في قصيدة ( بطولات مسروقة )، لا يخدع الفقراء، ولا يحاول دغدغة عواطفهم ببطولات وهمية، بطولات مسروقة، لا يدعي البطولة، فيقول :
" لا تنتظروني الليلة
على باب أبي زيد الهلالي أو الشاطر حسن
البطولات المسروقة تعجب الفقراء
وأنا فقير مثلكم يا اصدقائي الطيبين
فكيف أزيد طينتكم بلة؟! "
ويصارح الفقراء بأنه يكتب :
" أكتب كي لا تموت المدينة الفاضلة
مع أننا بلا مدينة "
والشاعر في قصيدة ( مفاوضات ) يفاوض الشعر، يبحث البراءة والنقاء :
" وأنا كذلك مرهق
من مفاوضات الشعر
حول لقطة جديدة نقية "
ترى ما هي اللقطة الجديدة النقية التي يبحث عنها الشاعر، ويفاوض الشعر من أجلها؟ وترى ما هي المدينة الفاضلة التي ينشدها الشاعر؟، سنحاول في هذه القراءة لقصائد الديوان، البحث مدينة الشاعر الفاضلة، وسنجعل القارئ مشاركا لنا في التعرف على أهم ملامحها، من خلال النماذج المختارة من شعره للتطبيق.
والشاعر يتوجه في قصائد هذا الديوان إلى القارئ المعاصر، يناقش فيها هموم الواقع، واقترب من هذا الواقع اقترابا حميما، وجعلنا نرى بأعيننا إحباطاتنا وانكساراتنا ومعاناتنا، وطرح كل هذا أمام أعيننا، وقد نقلنا في هذه القراءة الكثير من نماذج الشاعر، ليقف القارئ بنفسه على تجربة الشاعر، التي يحاول فيها أن يشرح لنا واقع الإنسان المهمش البسيط، الذي انحاز إليه.
ولم يكتف الشاعر بطرح الأسئلة، وإذا كان حسبه وحسب الفن العظيم أن يطرح الأسئلة، وكان حسبه أيضا أن يومئ فقط أو يشير من بعيد إلى مكامن الداء ومظاهر الخلل في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ونحن لن نتحدث عن كل مسار منفصلا عن الآخر، فالمسار السياسي مثلا مبثوث في جُل القصائد، وكذلك المسار الديني، والمسار الثقافي، والمسار الاجتماعي، وغيرها من المسارات، ومن النماذج المختارة من هذا الديوان للتطبيق، سيكتشف القارئ بنفسه هذه المسارات، وسيتبين من خلالها أثر القرار السياسي الخاطئ على المجتمع وأثر القرار الافتصادي المتسرع أيضا على بنية المجتمع،
==
الشاعر يحن دائما إلى الزمن الجميل، ففي قصيدته " ثوب كستور مقلم " يأخذنا إلى زمن قماش الكستور الذي كانت تنتجه مصانع غزلنا، قبل أن تتوقف بها عجلة الإنتاج، وقبل أن تتراجع أيضا زراعة القطن ( الذهب الأبيض )؛ ليحل بدلا من زراعته، زراعة الفراولة والكونتالوب وغيرهما لصالح الرجل الأبيض، فتم خصخصة مصانع الغزل في زمن الخصخصة، وتم بيع مصانع وشركات القطاع العام لرجال الأعمال الجُدد بتراب الفلوس.
يشي عنوان القصيدة بزمن جميل ولى، يبكيه الشاعر، ويتحسر عليه ويتمنى لو يعود، فالثوب الكستور يأتي كرمز دال على زمن كنا نرتدي فيه الثياب من غزل قطننا الأبيض في مصانعنا، كما كنا نأكل خبزنا من قمحنا الذي نزرعه في أرضنا، فهذا الرمز الذي يتكئ عليه الشاعر، يكشف التحولات الخطيرة التي حدثت للشخصية المصرية، والشاعر يقدم لنا هذه التحولات بعين الطفل، الطفل الذي ولد وعاش في سبعينيات القرن الماضي، فجاءت القصيدة لا تخلو براءة الطفولة وعفويتها وتلقائيتها.
والشاعر في صدر القصيدة، ينحاز إلى الطبقة التي اختار أن يكون لسان حالها، ويدافع عنها، ويرفض أن ينحاز إلى طبقة السادة، فالمجتمع أصبح سادة وعبيد، فيرفض أن يتزيا بزي السادة، فيقول :
" أكره رابطات العنق "
فهو صوت الفقراء والمهمشين، فيقول :
" غالبا ما أمنح صوتي للكادحين قليلي الحيلة
كل يوم أفكر في حيلة تخفف الموت عنهم
مثل أن أضع صورة شحاذ كصورتي الشخصية
أو أكتب ديوانا عن رجل لم تضحك له الشمس يوما
رغم ما يضج به وجهه من جمال "
وبعد هذا الاستهلال الذي أبان فيه الشاعر عن موقفه الفكري، يأخذ القارئ إلى التحولات الكبرى من خلال رموز إيحائية بسيطة، عبر ثلاث امتدادات أو ثلاث مشاهد، فالقصيدة التي نحن بصددها أقرب إلى القصة الشعرية، وأقرب إلى القصيدة الدرامية منها إلى القصيدة الغنائية، وكذلك معظم قصائد الديوان، اختار الشاعر ثلاثة أشخاص، تمثل ثلاثة أجيال، جيل الشاعر الذي عاش في سبعينيات القرن الماضي، وجيل الأب ( والد الشاعر الذي عاش غالبا في زمن الخمسينات والستينات ) وجيل الابنة ( ابنة الشاعر التي عاشت زمن الانفتاح والخصخصة " الزمن الاستهلاكي ")، فالبنت تضجر من والدها الذي يكره رابطات العنق، ويرفض أن يساير العصر الجديد ويعيش على الموضة، فيقول :
" أكره رابطات العنق
رغم ضجر ابنتي من زهدي بلا مبرر
في ارتداء جل الشعر وبعض البرفانات الغالية "
فالأب الشاعر، تنحصر رغبته :
" لي رغبة منذ قرون
في ارتداء ثوب كستور مقلم ( أبيض x أزرق ) "
والامتداد أو المشهد الثاني، الشاعر الطفل الذي يرى التحولات التي أصابت القرية، تحولات سريعة لا يستطيع عقله الصغير أن يعيها، فكان الحل للأزمات الخانقة في سفر المصريين إلى الخارج، فبعد حرب أكتوبر، ارتفعت أسعار النفط، وتكدست الأموال في البلاد التي تعوم على أنهار من النفط، وأصبح حلم كل مصري مغادرة البلاد والعمل بهذه الدول، وما أكثر المصريين الذين غادروا البلاد، وعادوا محملين بالأموال، وبثقافات تلك البلاد، فهذا الولد الطفل، يقول لأبيه :
" حين أكبر
سأسافر الأردن )
لماذا الأردن تحديدا دون دول الخليج؟
معظم شباب ورجال الريف المصري، من العمال والفلاحين والحرفيين، اجتذبتهم الأردن والعراق، فالسفر إلى الأردن والعراق غير مكلف، فكل من كان يملك أجرة العبارة إلى الأردن، يحزم أمتعته ويشد رحاله إليها، وإذا وجد فرصة العمل المناسبة، استقر بها، وإذا لم يجد، يتوجه برا إلى العراق، فالحرب بين العراق وإيران كانت على أشدها، وكل شباب العراق يحمل السلاح، وعلى الجبهة، وحاجة العراق ماسة إلى المصريين، الفلاحين لزراعة الأرض، والعمال لإدارة حركة المصانع، ذهب الخباز والجزار والسماك والنجار والسباك وعامل البناء والنقاش و .. و ...
يقول الطفل لأبيه :
" حين أكبر ..
سأسافر إلى الأردن
وسأشتري لك قفطان عمدة
وشالا أبيض طوله متران
وأبني لك بيتا واسعا
وسأضع يدك في عصا غليظة
وسأجعلك تتكئ عليها ككبير العُمد "
وعرفت قرانا في سنوات قليلة البيوت المبنية بالطوب الأحمر والحديد والأسمنت، وتخلت عن الدور الطينية، المبنية بالطوب اللبن، وعرفت قرانا العمارات العالية والأبراج الشاهقة، وكان للمال الذي عاد به هؤلاء أثره على كل شيء في القرية، فتم تجريفها، وتغيرت أنماط المأكل والملبس والمشرب، تغيرت الجغرافيا والديموغرافيا، وتغيرت السلوكيات والأخلاق، واختلت منظومة القيم، وتم تسليع كل شيء، وصارت القرية التي كانت منتجة مستهلكة، وأصبح المال هو السيد، وقيمة الإنسان تتحدد بما يمتلكه من مال، وهذا الطفل الصغير الذي عاين التحولات، يحلم لنفسه أيضا :
" وسأشتري لنفسي بدلتين كاملتين
وجلبابيين
الأبيض من تحت
والأسود من فوق .. "
وكان رد فعل الأب على أحلام ولده :
" كان أبي يضحك عاليا عاليا
ولم أفهم وقتها "
فالأب كان يعرف ما سوف تجره القرارات السياسية الخاطئةعلى المجتمع، وما سيؤول إليه الحال، ولكنه لايملك لهذه القرارات دفعا، فكان يضحك ويضحك، ولكنه ضحك كالبكا، والولد الطفل عندما كبر، جنى مرارات هذه التحولات، فالبنت التي أحبها، باعته بحذاء أنيق وثوب أنيق، وألقت بنفسها في أحضان ابن المدينة الذي يلبس على الموضة وتفوح منه رائحة العطور الغالية، فيقول :
" لماذا الثياب دائما غير عادلة؟! "
وهي جملة محورية ومفصلية، فهي فضلته عليه، ضاربة عرض الحائط بكل شمائله الطيبة وأخلاقه الحسنة، فيقول :
" كنت أكثر منه وسامة
وكنت أعلى في الخجل "
فهو إذن وسيم وحيي، والوسامة هبة من الله، والحياء جزء من النبوة، فالمعايير إذن قد اختلت، ولعلنا نكون قد تبينا، لماذا يكره رابطات العنق، وجل الشعر، والبرفانات الغالية، ويرفض أن يساير الموضة التي أفرزها عصر التحول الاقتصادي، ويظهر لنا بجلاء قيمة الرمز الذي اختاره ( الثوب الكستور ) ودلالته، فيقول :
" بي رغبة منذ قرون
في ارتداء ثوب كستور مقلم
( أبيض x أزرق ) "
==
يتكئ الشاعر في قصيدة ( ذاكرة ) على ذراع الذكريات، يستدعي نتفا من طفولته والشيب الذي عرفه مبكرا، والحزن الذي لازمه، وننقل من هذه القصيدة مشهدا مؤلما "
" كظل صفعة بائع الكشري
على خدي الصغير
كاستعراض أول لقانون العمل
توهتي بصحراء العاشر من رمضان
بحثا عن رجولة مبكرة )
وقد لخص في هذا المشهد، قوانين العمل الجديدة، التي تأتي لصالح رجال نهب المال، فانظر كيف يعاملون الأطفال، والإشارة إلى مدينة العاشر من رمضان، التي يتباهون بها، ويعدونها العاصمة الاقتصادية لمصر، وكم يعاني العمال في هذه المدينة، من أجور متدنبة وغير عادلة، وفصل ورفت تعسفي، ومعظمهم غير مؤمن عليهم، ولا علاج في حالة المرض، أو الإصابة أثناء العمل، التفاف تام على قوانين العمل المعروفة في كل دول العالم، وكيف تزاوجت السياسة والاقتصاد منذ زمن الخصخصة، زواجا كاثوليكيا، والشاعر الذي يلازمه الحزن، ينهي قصيدته ( تصحبني غربتي )، وما أقسى غربة الشاعر في وطنه، ونرجو أن نفصل لاحقا غربة الشاعر واغترابه وألمه.
==
وفي قصيدة ( حضور ) يحاول الشاعر أن يستوي نفسيا، فيقول :
" سأغير كل يوم صورتي مرتين
لم تزل صورتي شاحبة
وعيناي شاردتين "
والشاعر يستدعي أمه وعلاقته بها، وأسعد أيام حياته، تلك الأيام البعيدة التي كان في حضنها وهي تغني له أغنية ( آخر العنقود )، فيقول :
" كنت كنزها الذي اكتشفته لها
الأيام آخر عمرها "
والشاعر يتقمص شخصية السارد أحيانا كثيرة، وهو حكاء ماهر، ويبتر الحكاية أحيانا ليقدم لنا معلومة، ثم يعود لمواصلة سرده الشعري، فيضع عنوان جانبي ( معلومة ) ويقول :
" كانت أمي ذات الوجه المستدير الفضي ..
آخر علاقة شرعية للأرض بالسماء ..
وأنا آخر علاقة شرعية لها بالأرض "
وهذه المعلومة أثرت قصيدته، وأغنته عما يمكن أن يدبجه شاعر آخر عن أمه في عشرات الصفحات، والشاعر الذي ماتت أمه، يواصل البحث عنها في كل بنت وفي كل امرأة، فيقول :
( ربما لا تعرف كل بنت أحببتها
أنني أحببت صورة أمي بها .. )
= وينقل لنا في قصيدة ( أبي ) رأي الأب في الأم، فيقول :
" وأمي التي لم أشبع منها
كانت تضيء الليل
كما يقول أبي "
= وفي قصيدة ( إلى امرأة تشبه أمي )، يبحث عن أمه في امرأة تشبهها، فيقول لها :
" دعيني أقبل كفيك
فأنا بلا أم
وكل الأطفال حين يعودون من مدارسهم
يقبلون كفوف أمهاتهم
إلا أنا "
ويقول لها :
" دعيني أملأ لك الجرة "
ويقول :
" كان لي قمر كوجهك
حين تضحك
فإذا البيت موسيقى
وليلي شمعدان "
ويطلب من هذه المراة ذات الكفين الخشنتين، والتي تشبه أمه، أن تدعو له :
" امنحيني دعواتك المجابه
فأنا أعرف أن الله جميل جدا
ويحب الفقراء "
==
وقصيدة ( البر الثاني ) يكشف فيها عن حنينه الدافق إلى الزمن الجميل، الحنين إلى القرية قبل أن تتحول، يحن إلى بساطتها ودفئها، فهو ليس من سلالة ملوك، ولا ممن عندهم خزائن الأرض، فهو فلاح بن فلاح، واجداده ماتوا في حفر القناة، وميراثه :
" وأبي
أورثني قلبا
لم يمسسه الحقد بسوء )
ويقول :
" سألتني الخالة عن اسمي
قلت أنا ابن أبي
هذي الصفصافة كانت له
وحصير الحلفا
هذه الأرض الضيقة الخضراء
وهذا الماء المتغير طعمه
أنا يا خالة من هذي القرية "
ويتساءل :
" أين الفرن البلدي
حمارتنا البيضاء
البقرة
سرب الماعز
قناديل الشامي المركونة فوق السطح "
==
ويقارب ويوازن في قصيدة ( لم أرتب لقلبي غرفة في الغرام ) بين فتاتين، إحداهما جاءته من الخليج في إجازة من الإجازات الصيفية؛ لتأخذ درسا خاصا عنده، ولما غير لها موعد الدرس ( انصرفت نافرة! ).
وأما الفتاة الأخرى، والتي أسعدت قلبه، كانت بنتا تبيع الخبز، يقول :
" أسعد القلب بنت تبيع الخبز
حملتني كفها الخشنة
كقارب شراعي تؤرجحه النسائم "
ويصفها :
" تدور بضفيرتين
بطفولة
وغطاء رأس
لا تعكس الشمس ألوانه "
وهذه النماذج الطيبة يحتفي بها الشاعر ويمجدها، هؤلاء الذين يعيشون في البيوت الطينية، فمن هذه البيوت يخرج الأولياء والأتقياء، فيقول :
" والبيوت التي من الطين
لا تخرج للناس أضغانها
كان عفشها سريرا من الحلفاء
وأنجبت الحسين ....
( ستنا فاطمة )
والإتيان بالحسين وبستنا فاطمة في نهاية القصيدة، كرمزين تراثيين، تجعل القارئ يعاود التأمل، والرجوع إلى حياة ستنا فاطمة، وكيف كانت تعيش، وهي نموذج ومثال يجب أن تقتدي به فتياتنا، اللواتي لا يرتضين بغير الحياة الناعمة والمترفة، وإن اللواتي يتخذن من ( ستنا فاطمة ) القدوة والمثال، سيلدن المصلحين والأولياء، سيلدن من يكون على مثال سيدنا الحسين، ويكون هو المثل والنموذج والقدوة.
==
وفي قصيدة ( لا تتحدثي عن الوطن ) يقابل فيها بين زمنين، زمن القرية قيل أن يجرفها تيار التغيير، والقرية الحالية، والشاعر اتخذ هذه المقابلة بين الزمنين في العديد من القصائد، ويقابل أيضا بين الانتماء للوطن واللاانتماء، وبين الحب واللاحب، فالناس الفقراء محشورين في شقق أصغر من الزنازين، ويعانون المرض والفقر والعوز والحاجة، ومشافي الحكومة داخلها مفقود وخارجها مولود، والطرق غير مسفلتة، ومواسير المجاري مهترئة وتطفح في الشوارع، والحكومة أخذت منهم الأرض، وأنستهم الفلاحة :
" نسيت كفي الثقيلة طعم الفاس
منذ أن أخذوا من أرضنا أرضنا "
فوفقا للقوانين الجديدة التي يتم سنها؛ لتتلائم مع عصر الانفتاح والخصخصة ولتخدم رجال الأعمال الجُدد، يقول:
" في القوانين الجديدة
لا يُسمح بزراعة الأرض للفلاحين
أخاف أن يفطنوا إلى رائحة العرق في ثيابي القديمة "
وسرعان ما يعود إلى الزمن الجميل، فيعود إلى طفولته، وحبه البريء، فيقول :
" من يطمئنني على البنت التي كانت تلقي علينا بتحية الصباح
فيمر الصباح طريا كالظهيرة
كنت أجمع الحطب وقحوف الجريد لطبيخ الخميس
سألتني على استحياء وأجبتها على ابتسامة "
ويقول :
" كنا نأكل البتاو الأصفر بالجبن القديم
ونشرب الشاي الثقيل على الطريق
ولا نرى ثيابنا الممزقة "
وحنينه أيضا إلى : ماء الجدول الصالح للحب، وشجرة الصفصاف، والنخل، وحقول الذرة، و .. و ..
وتأتي المفارقة في نهاية القصيدة، عندما يباغتنا بقوله :
" المناسبات لا تأتي كثيرا
فاحتفظي بأنبوبة الغاز جيدا
ربما نحتاجها ذات شتاء "
وسرعان ماسيعاود القارئ التامل في رمزية ( أنبوبة الغاز ) ودلالتها في زمن القرية الجديدة!.
==
وفي قصيدة ( أنا ) يقدم من خلالها صوتين، قهو تارة " سور المدرسة " وتارة أخرى " النخلة "، فيتماهى في النص الأول مع سور المدرسة، ويتوحد معه، بل يمتزج به، فيصير هو السور، ويصير السور هو، فيقول :
" أنا سور المدرسة البائس
كل يوم أمدد رقبتي مثل شجرة "
ولماذا يمدد رقبته مثل شجرة؟،يجيب :
" لأداري عاشقين صغيرين من عصا الأستاذ
وأظلل رعشاتهما الطازجة "
فهذ السور الرقيق أو الشاعر الرهيف :
" جلدي الذي لا يتحمل دمعة عاشق
يتحمل آلاف النحاتين ببذور المانجو
أو الحجر
ينقشون حروف من يحبون
وسهاما تخترق قلوبهم "
ويقول السور أو الشاعر في نهاية القصيدة، وهي نهاية حاسمة، تكشف عن حلم من أحلام الشاعر الكبرى، وعن مقصد من المقاصد العليا التي يتبناها الشاعر في هذا الديوان، يقول :
" أفرح كقطة وجدت صغارها
بالصاعدين على أكتافي للحرية "
ويعبر في النص الثاني عن آلام وأحزان النخلة، ويقدم لنا في هذا النص لوحة فنية تشكيلية بديعة، وما أجمل أن يتعالق ويتعانق الشعر مع الفن التشكيلي، فيقول على لسان النخلة التي أنسنها، كما أنسن سور المدرسة من قبل :
" أنا تلك النخلة التي
قطعوا أغصانها لسقف بيت
وأوراقها لحصير
يجمع القادمين
من
حقول
التعب "
وأنظر إلى حال النخلة بعد أن تم تجريدها من أغصانها وأوراقها :
" تركوها تشكو للسماء
برقبة تحن لرأسها
وكتف يدعو بغير يدين "
ما أجملها وأروعها من صورة!
= وجاءت قصيدة ( الليل ) أيضا كومضة شعرية، مثل ومضتي ( سور المدرسة ) و ( النخلة ) وهي ومضات أتت كالبرق الخاطف؛ لتميط اللثام عن رُقي ونُبل الشاعر، ففي الليل الشيخ النبيل :
" رأى جدارا يريد أن ينقض فأقامه
ليستر امرأة بائسة ورجلا خاطئا "
وفي الليل :
" رفع الدعوات لامرأة ثكلى
كشفت عن شعرها الفضة وذراعيها المفلستين "
وأيضا :
" دارى على متنسك
لم يعتد بكاء المساجد "
وما هذا إلا قطر من فيض شاعرنا النبيل.
= ومن قصائد الومضة أيضا، قصيدة الغزالة، وهي قصة شعرية بامتياز، قائمة على الحوار، فالبطولة الفنية فيها للحوار، الحوار القائم بين الغزالة والعشب، والرمز حاضر بقوة، والمفارقة التصويرية أيضا.
" تقول الغزالة للعشب القصير : أنحني لك
يقول العشب : أنا لك يا سيدتي الجميلة
لكن الغزاة سيأكلون لحمي حين يأكلونك ويتعطرون بدمي الذي في دمك
تقول الغزالة : محزن أمر هذي الحياة
يقول العشب : أموت أنا؛ لتعيشي أنت وتموتين أنت؛ ليعيش الغزاة ويموت الغزاة لعيش الحياة
يقول الشاعر : أنا الغزالة أنحني لكل اخضرار وأكره القاتلين.
وقول الشاعر في البيت الأخير، جاء كاشفا عما يستتر خلف الرمز، وعن العظة والأمثولة التي يخرج بها القارئ من هذه الومضة الشعرية القصصية المراوغة، ويؤكد على نُبله، وموقفه من الغزاه الذين يأتون على الأخضر واليابس، سواء كان هؤلاء الغزاة من الداخل أو من الخارج.
==
للأب حضوره في جُل القصائد، بطريقة أو بأخرى، يقول في قصيدة ( صلاة ) :
" كان يلقي السلام على من يحب ومن لا يحب
ويبدأ الصغار بابتسامة "
ويصفه ( وتأمل هذه الصورة البديعة ) :
" حين يمشي .. كان يلقي عصاه خلف ظهره
يمسكها بيديه من هنا ومن هنا
هكذا ..
تماما تماما مثل راعي غنم .. "
ويقول أيضا :
" كان يمشي طويلا مثل نخلة ومنحنيا كهلال "
= ويكتب قصيدة للأب تحت عنوان ( أبي )، وهذا الأب هو الصورة النموذجية للأب المصري، الذي عمره عشرة آلاف سنة من التاريخ المكتوب، ومئات الآلاف من السنين من التاريخ غير المكتوب، فيقول :
" أوقن كلما رأيته
أنه
من شيد الأهرامات
بذراعيه المفتولتين
وبطته المشدود "
ويقول :
" موقن بأن النيل
كان يجري خصيصا
لقدميه الحافيتين "
فهذا الأب :
" كلما مشي انبجست صخرة
وأنبتت سبع سنابل "
فهذا الأب ليس أبا حسني الإتلاتي وحده، ولكنه أب لكل مصري، قهو من صنع لنا الحياة، ومن خلال استدعاء الأب، يستعيد دفء القرية، فهو أيقونة للطيبة والحكاء الماهر، فهو في أخلاقه مثل أولياء الله الصالحين، ويشبهه بالمسيح ويقبل التضحية، ويستعيد الأيام الجميلة :
" بابه الصفصاف
يدخل المريدون
وشايه الأسود
ليس كمثله شاي "
" كلما جلس بأرض / تحلق المريدون، هو الضحوك كتوم الحزن / وهو الشريف الذي لا يقبل الصدقة / رغم ضيق الكف / ولا الهدية "
==
وللأخ أيضا حضوره، هذ الأخ الذي يشبهه بالنهر، لم يكمل تعليمه، ولكنه صاحب علم فياض، وهو أقرب إلى الصوفي،
" لم يكن قاسيا
ليترك نخلة دون ماء "
" ولم يكن نبيا
ليلقي بالألواح في وجوهنا "
" كان كالنهر
يسمح لجذوع الأشجار الخاوية
بالعبور على كتفيه
ولا يمنع القطط الخائفة ولا الكلاب "
" كان كالنهر
غريبا يرحل من وطن إلى وطن
دون ماء
ولا وردة واحدة "
" مبتسما دائما كملاك "
" كان كالنهر
وهو الذي استقر على رتبة الأميّ
ليمنحنا علمه الغض كالأنبياء
ويمنحنا روحه الصافية "
= وفي قصيدة ( رجل لا تعرفه الحواديت " يواصل الحديث عن أخيه، فيقول :
" لشقيقي
ثلاث نخلات
وعصا
يهش بها
سرب معز "
" وأخي
أسمر
مثل أبي
وكريم
يعزم النهر
ويمنح البحر شايه "
" يزرع الأرض
بفأسه الأخضر
ويديه السمراوين "
فهذا الأخ يقول :
" من هذه الأرض جئنا
وفيها نموت
وبها سوف نلقى الله
وأخي الذي
لا يقرأ الفاتحة
تحدثه
الملائكة
كوريث للبراءة "
وأنظر إلى حديث الأرض، وما قالته عن أخيه، تقول الأرض :
" أنا ضربة فأس هذا الجميل
أمه وأبوه
عشيقته الغالية
وهكذا قالت الأرض
هل نبتت فوق هذي البلاد سنبلة
سوى من يديه
وهل لوزة فتحت ثغرها
غير فوق جبينه
وأخي الذي لا يجيء في الحواديت
تعرفه أرضنا جيدا "
==
ويخص الشاعر الزوجة بقصيدة، باسم ( زوجتي )، وهي من قصائد الومضة الجياد، فتعامل مع الزوجة التي بدأت في خريف العمر برهافة شديدة، مؤكدا نبالته، وحبه الذي يتنامى لها، وعرفانه وامتنانه لمسيرتها الطيبة معه، وسيرتها العطرة عبر رحلتهما في هذه الحياة، فيناديها بوردتي البلدية، والوردة الآخذة في الذبول، أو ذبلت، تظل رائحتها كامنة فيها، فيطالبها وهي في خريف عمرها، يطالبها بألا ترهق نفسها في إعداد الطعام وتنظيف البيت، فيقول برقة :
" صباح الخير وردتي البلدية
لا ترهقي أصابعك
نظرة لعينيك طعامي "
والمرأة هي أكثر الناس حزنا، عندما يبدأ الشيب يغزو شعرها، فهو يدرك الآلام النفسية التي يسببها الشيب للمرأة، فيقول :
" شعرك الأبيض لا يحتاج صبغة
هو لم يزل بعيوني سبيكة ذهب "
ويقول :
" وجنتاك المغضنتان
هكذا .. هكذا
دون لون زائف
تشبهان تفاحة آدم
وأنا أسعد بخروجي من الجنة "
ويطالبها في النهاية، قائلا :
" فتعالي نتقاسم ظلنا المائل
ونكمل مشوارنا "
==
وللولد أيضا قصيدة بعنوان ( ولدي )، فيخاطبه صغيرا :
" قلبي الذي يتنطط أمامي
هو أنت "
" حين تغمغم ..
تملؤني فرحا "
فهو جاء بعد انتظار، فيقول :
" بعد انتظار جئت
الحب لك "
ويتمنى عليه ألا يكون شاعرا مثل أبيه :
" أوصيك
لا تكن كأبيك شاعرا متعبا "
ويخشى عليه من هذا الزمن النكد الضنين، ففي هذا الزمان :
" ذا زمان
يكره الصدق
ويتعب الصادقين جدا "
==
وفي قصيدة ( حنان ) وهي ومضة شعرية، يعلو فيها الشاعر علوا كبيرا، ويبدو مثل المتصوفة والقديسين والأنبياء، فيقول فيما يشبه الوصايا :
" امسح على رأس كافر
اشطر الثمرة بينكما نصفين
ربت على كتفيه
سم عليه إن تعثر في الطريق
اغسل فم مخمور
ضع قلبك على جبينه
سنده حتى باب البيت
وضع بعض النقود في جيوبه الفارغة
أنا لا أتقن الصلاة
لكن الله جميل
أعرفه جيدا
كلما سقطت بحفرة
مد لي يديه الحانيتين "
==
قصيدة ( ناح الحمام ) وهي قصة شعرية، ينتقد فيها المجتمع الذكوري :
" مالت البنت ( الفرسة ) للولد ( الحصان )
وكلما مالت بنت
توج الناس الولد الصيّاد
بأنواط الفارس "
ونتيجة لميل البنت الفرسة للولد الحصان، :
" ثم في الميدان جلدوا البنت
لعن الشيخ البنت الخاطئة
لعن الناس البنت الميّالة "
والشاعر القاص يثري قصته بملحوظة، وبهامش أيضا، يقول في الملحوظة :
" غمز الناس بطرف عيونهم الولد الصياد :
ماهر "
فالقاص الشاعر يبرز صوت الشيخ ( رجل الدين ) الذي لعن الفتاة، وصوت الناس الذين لعنوا هم أيضا الفتاة، وفي الملحوظة، يدعم الناس الولد، ويصفونه بالماهر!
وأما صوت الشاعر :
( ضاق الشاعر حزنا
كفر الشاعر بالناس "
وهنا يبدو الشاعر مغردا خارج السرب، ويأتي في الهامش، والهامش يدخل في متن القصيدة، ولا يضعه في نهايتها، والهامش يكشف عن بعض الأسباب التي جعلت البنت الفرسة والولد الحصان يقعان في المحظور، فيقول في الهامش :
" كان الراديو في بيت الجارة
يجأر بأغان لحليم
كان التلفاز بمقهى ميدان الحارة
يعلن في غنج للمارة
هذا أسبوع الحب
وهذي أولى ليلات في أسبوع الحب
أقوى أفلام الحب الليلة
والليلة
أشهى أفلام الحب "
فماذا يفعل إذن شبابنا وفتياتنا أمام هذه الأفلام والأغاني، التي تداعب الغرائز، وتثيرها، وتجعلها تخرج من قمقمها، فتصبح كالبركان الثائر.
وماذا يفعل الآباء أمام هذه الموجة العاتية؟
اختار الشاعر القاص أحد الآباء بطلا لهذا النص، وكان الحل في رأيه :
" كنت أغلق قنوات التلفزيون بأرقام سرية
وأقص على البنت وصاياي العشرين "
فالأب لا يمل من تذكير ابنته ( التي لم تبلغ زينتها بعد ) بوصاياه، وأما عن ولده :
" كنت أحرض ولدي
( ولدي بلغ الزينة من سنتين )
كن ولدا صيادا يغمزه الناس : ماهر "
وهذا الأب، يقول :
" مفتوح العينين أنام "
هل ما فعله الأب هو الحل الناجع، وهل وصاياه العشرين ستجعل البنت عندما تبلغ زينتها، وتصبح فرسة، لاتميل إلى الولد الحصان؟
القاص الشاعر يترك فراغات، ثم تأتي النهاية المأساوية "
" على الغصن ناح الحمام "
وهذه النهاية، تجعلنا نفكر مليا في إيجاد حلول حقيقية، بعيدا عن الوعظ والارشاد والنصائح، سواء كانت من المشايخ ( رجال الدين ) أو الأباء.
==
وتأتي قصيدة ( حكاية رجل عادي وامرأة عادية ) كقصة شعرية أيضا، وظف فيها الموال، وجاء بموالين، وبحكايتين أو أكثر أقرب إلى الحكايات القديمة، ويستهل كل حكاية بقوله :
" قالوا :
يُحكى أن .. "
وجاءت المواويل والحكايات كتنويعات على الحكاية الأصلية، فعمقتها، ولم تكن عبئا على النص، بل أصبحت كل حكاية وكل موال لبنه من لبنات القصة الشعرية، والشاعر القاص يدخل في الحدث مباشرة، ويبدأ المشهد بمحاولة إغراء المرأة للرجل، فيبدأ القصة بهذا الحوار :
" قالت :
يداي مبسوطتان
والعين متكأ
فلماذا أنت
كطفل يخرج للشارع أول مرة
قلت :
صنع مني الحزن ولدا خائفا
قالت :
عيونك تلمس جسدي
كجائع
وأوراقي بين يديك
فلماذا ..؟ "
فلماذا تردد هو في اقتحام حصونها، رغم أنها فتحت له كل الأبواب؟
تأتي الإجابة من خلال الموال :
" القمح أصفر كالذهب
والقلب أبيض كالفضة
حبيبتي تحتاج الذهب
وأنا عصفور لا يجد القمح "
والموال هنا كاشف عن حال المرأة وحال الرجل، فهي تحب الذهب وهو لا يملك القمح، قهو فقير، ويلضم الموال بحكاية، أقرب إلى الحكايات التراثية، وكأنها من حكايات ألف ليلة وليلة :
( قالوا
يُحكى أن جارية اشتراها ملك
كان يحبها من قلبه
حين رآها مع أحد عبيده
ظل يشرب
يشرب
حتى انتحر "
فإذا كان هذا حال الملك مع الجارية، فماذا سيكون حاله وهو الفقير مع المرأة التي تعشق الذهب؟
ويأتي الموال الثاني :
" حبيبتي
حبيبتي
حبيبتي
حبيبتي كانت تحب الذهب !!! "
وكان الشاعر القاص رائعا وموفقا غاية التوفيق، عندما لجأ إلى الراوي الشعبي، أو عازف الربابة الذي ينشد حكاياته وقصصه بالموال الشعبي.
وبعد أن قص الشاعر السارد قصة الجارية والملك التي انتهت بانتحار الملك الذي عشقها بعد أن رآها في أحضان أحد عبيده، فيحكي لنا قصة أخرى وبطلها هذه المرة امرأة عشرينية جميلة وخادم :
" يُحكى أن امرأة في العشرين
تملك جسدا من عسجد
وكفوفا من عجين
تزوجها خادم
سرق خزائن مولاه الأعظم "
وماذا كانت نهايتهما ؟:
" كانت كأميرة مهزومة
وفي قلبها مستوطنات الحزن
فافترقا "
ويتناوب السرد شاعر الربابة، والشاعر القاص، وتأتي الحكاية الثالثة :
" قالوا
إن امرأة ميتة
تزوجت من رجل ميت
ظلا
يتقاسمان العيش كقطعتي شطرنج "
" كان متسامحا كثور
يتناوب القفز
لحفظ السلالة المقدسة "
" كانا
يملكان الكثير
بيتا بحجم قطة
وسبعة أطفال
وحزنا يتسع مع الوقت "
==
وقصيدة ( ناحية الفقراء ) يصب الشاعر فيها جام غضبة، على الأنظمة التي تفتح سجون البلاد للفقراء، ويسرد بعض الحوادث المؤلمة، نذكر منها :
– " أعرف أن قتيلا في حي شعبي أفضى
لجنيهات خمس "
– " أن فتاة شقراء
ذهبت لبلاد النفط – كخادمة –
عادت تحمل طفلين
ووشما في جسد الروح "
وعن تفشي ظاهرة الوساطة والمحسوبية، يقول :
" أعرفُ ولدا ألثغ
يعمل في التلفاز مذيع نشرة "
ويقول :
" أعرف ولدا مرتشيا حكم مدينة "
" أعرف ولدا لصا أمّ الناس بجامع "
وإذا كانت البلاد واسعة جدا لمثل هؤلاء، وأضيق من ثقب الإبرة في وجه الفقراء، وإذا كانت الأنظمة تفتح السجون للفقراء :
" أعرف أن سجون بلادي تفتحُ ناحية الفقراء " فإن الشاعر الشفوق بهم والمحب لهم يفتح لهم بابا أو ناحية أخرى :
" أعرفُ جدا
أن الجنة
تفتح ناحية الفقراء "
==
يواصل الشاعر انتقاده في قصيدة ( مفاوضات )، فيقول عن التعليم :
" التلاميذ مرهقون
من نصائحنا المعادة
مدرسين
يتقنون فن الضغط
واختلاس نظرة مراهقة ..
وجيب الوالدين .. "
ويتأسى على الذين يموتون في عرض، ومقاوضات النخاسين حول سعر الموت :
" جثث النازحين
من سفن البلاد الغارقة "
==
وتمثل قصيدة ( أملك ذاكرة عشوائية ) دراما شعبية، لدولة المنسيين، دولة الفقراء، والتي تجري أحداثها في عربة قطار الدرجة الثالثة، واعتمد الشاعر على الوصف والحوار، فقطار الدرجة الثالثة :
" مزدحم كالعادة
ومبتل بالدفء المجاني
يخبطك الباعة
دون اعتذار
ودون استئذان "
وهؤلاء الباعة :
1 - " يصنعون من رجليك الوارمتين
منضدة مؤقتة
لتعبئة ساندوتشات الطعمية البائتة "
2 – " امرأة حامل تجلس في الممر
تلعن الأيام
يجلس أطفالها على باب الحمام
لا يستخدمه الراكبون "
3 – " بين كل مقعدين عدد يماثل الجالسين
وفي الطرقات العدد الأكبر "
4 – " الرجال الذين يمرون في الطرقات ذهابا وإيابا
غالبا
( يبحثون عن لذة مختلسة )
والذين يجلسون على أكياس هدومهم متعبون "
ومن حوارتهم :
" من أين"
.....
أعمل بوابا
......
الأيام بخيلة
......
منذ زاد سعر الحديد
توقفت السوق عن العمل
........
أبيع محافظ وحزامات في سوق العتبة
...... "
وترى وتسمع :
" امرأة تشكو من ضيق الحال "
و " رجل يشحذ بعماه
ولا نعطيه "
و " فتاة تشحذ بالإكراه "
ويرينا ويسمعنا أيضا أصوات بائعة السمن البلدي، والتلاميذ والطلاب الذين يحملون حقائب السفر والكتب، و " يسألون عن آخر هذا التعب "
قدم لنا صورة واقعية لدولة المنسيين، تعج بالصوت والحركة واللون والحياة المرهقة البائسة.
= وفي قصيدة ( استأذنوا أبي )، ينتقد الذين يتحدثون باسم الوطن، وهم أبعد ما يكونون عنه، هم الذين استباحوه، فالأولى بمن يتحدث باسم الوطن هم الأبناء الأوفياء المخلصين.
فالشاعر يطلب من الذين يتحدثون باسم الوطن :
" استأذنوا أبي
فهو ولي أمرها "
" مات وترابها في قدميه
وغبارها على سرير مستشفاه الحكومي
حيث النمل الطيب والذباب الرقيق
يطمئنان على المرضى في غرف العناية المركزة "
ويكشف عن أفعال تلك الطبقة المستغلة :
" استأذنوه
هو لم يسرق من بنوكها
ولم يلوث فمه ببضائعكم المثلجة
كان يزرع ولا يحصد
ويبني للناس بيوتا وابتسامات "
ويطالبهم بالكف عن الحديث باسم مصر :
" لا تتحدثوا عن مصر هكذا
وأفواهكم فاغرة
وبطونكم مفتوحة للحرام "
والأولى بمصر، والحديث عنها والتحدث باسمها، هم :
" الطيبون هناك
في العشش الصفيح
على الرصيف
في الحقول لا يجدون ماء
وفي المصانع لا يقبضون الثمن
وفي الحرب الحرب
هم وقود النار "
= ويصف الذين ينافقون السلطة، ويقولون ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الوطن بخير، فيكشف عن كذبهم، وينقل الصورة المزرية، فيقول في قصيدته ( الوطن بخير ) كيف يكون الوطن بخير :
" ومازال المرضى يرقدون في الطرقات
لا يشكون النمل ولا الذباب
ويموتون مبتسمين كالأطفال
أو كملائكة "
كيف يكون الوطن بخير :
و " مازالت الجامعات تكتظ بالكتب المنسوخة
والمسروقة "
" ومازال رجال المرور ينظمون المرور
ولا يأبهون لزمارات القتلى "
و " مازال الأطفال يبحثون عن صفيح علب اللبن
ليصنعوها حمامات
أو عربة كارو بحمار الطين "
" ومازال الطين
لا ينبت للفقراء القمح
رغم حساسية الفراولة "
= وفي قصيدته " لا توجد ضرورة ملحة للميكروباس "، يكشف عن أزماتنا الخانقة، الأزمة التي طالت الجميع، وتتلخص في أننا صدقنا الحلم :
" من قال أزمتنا السكر كاذب
أزمتنا أننا صدقنا الحلم "
" ورجال الأعمال الذين بشرونا كثيرا بغد أجمل
أراهم الآن يعانون الكوابيس "
" والفقراء الذين غنوا في الطرقات
ليس لهم دستور يطعمهم من جوع
ويمنعهم من خوف "
= وفي قصيدة " قل عاشت مصر "، يؤكد أن الأغاني التي يعدونها وطنية، لم تعد مؤثرة في ظل تردي الأوضاع، في كل جوانب الحياة، حتى لو تم بثها على مدار اليوم، ولو تم فرضها على المواطن فرضا، قبل الأكل وبعد الأكل، وقبل الشرب أيضا وبعد الشرب.
==
يستمد الشاعر بعض صوره من البيئة الريفية، بيئة قريته التي ولد وعاش فيها، حيث الأشجار، والنهر، والساقية، والبقرة، وسرب الماعز، والطيور، والفأس، وفرن الخبيز، والذباب، والنمل، والناموس، وغيرها من مفردات ومكونات البيئة الريفية، فالبيئة الريفية بكل مظاهرها حاضرة في صور الشاعر، وصور الشاعر لا تتوقف عند مظاهر الطبيعة بما تضمه من أحياء وطيور ونباتات وجمادات ..إلخ، فمخطئ من يعتقد أن البيئة هي كل ذلك وحسب، فالبيئة يدخل في نطاقها أيضا كل ما يجري فيها من حوادث وقضايا، والشاعر كان أهتمامه الأكبر منصبا على الأحداث التي طرأت على المجتمع المصري، والقرية المصرية، وتحولات الشخصية المصرية التي تحولت من النقيض إلى النقيض، فالقرارات السياسية والاقتصادية وتأثيرها على الإنسان، والحوادث، كل هذا من صميم البيئة، فالشاعر معني في المقام الأول بالإنسان، ويمعاناته، ومكابداته في هذه الحياة، وانحاز إلى الفقراء والمهمشين وكل من يعيشون على أطراف الحياة.
وقد يلحظ القارئ من خلال صور الشاعر، مدى ثقافته الرحبة والمتنوعة المصادر، وعلى رأسها الدين، ووعيه البصير بالأديان السماوية ( التوراة والإنجيل والقرآن )، والمقاصد العليا التي جاءت بها هذه الأديان، بعيدا عن التعصب، وواضح أيضا ولعه الشديد بالدراما، ففي قصائده، كان الحوار حاضرا في عدد غير قليل من قصائد الديوان، كما جاءت قصائد كثيرة كقصص شعرية، والشاعر قادر على كتابة المسرحية الشعرية، ونثق بأنه قادر على خوض كتابة المشرح الشعري باقتدار، المسرح الشعري الذي نفتقده بشدة. والشاعر أيضا على صلة باالفلسفة والفلاسفة والمصلحين والمتصوفة وإلهاماتهم، وقد أفاد أيضا من دراسته للغة العربية وآدابها، وقراءته للمنجز الشعري العربي الهائل لكبار شعراء العربية، منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا الحديث، والقارئ لهذا لديوان سيكتشف بسهولة ثقافة الشاعر وتنوع مصادرها، وهذه الثقافة مع البيئة من أهم مصادر الصورة عند الشاعر.
والصور الحسية هي الأكثر شيوعا في الديوان، وتحتل المرتبة الأولى عند الشاعر في هذا الديوان، وتأتي الصور المتخيلة في المرتبة الثانية، وإذا كان الجمال يُدرك بالحواس، فالشاعر استخدم الحواس في نقل أفكاره ورؤاه، ويحاول من خلالها أن يوضح لنا ما استغلق علينا، فهو يشبه لنا كمتلقين شيء خفي بشيء واضح لنا وظاهر ومحسوس ومعروف، فيقرب لنا ذلك الشيء الخفي، ويعرفنا به، فنعرف خصائصه وصفاته، فالإنسان عموما، والشاعر خصوصا، يرى ويسمع ويلمس ويشم ويذوق، ويُشبع هذه الحواس الخمس ( البصر والسمع ) وهي الحواس الرئيسية "، والحواس الأخرى ( اللمسية والشمية والتذوقية ) وهي الحواس الثانوية، ولأن الشاعر هو الأكثر حساسية ورهافة، والأكثر نباهة وفصاحة،فهو الأقدر على تكوين صوره الشعرية من خلال هذه الحواس، وصور الشاعر البصرية هي أكثر الصور حضورا، وهي الأبرز عند شاعرنا، ويستطيع القارئ أن يتعرف عليها بسهولة، ويعتمد فيها على الحركة والشكل واللون، وسنشير سريعا إلى الحاسة السمعية، التي تشيع في الديوان أيضا، وهي تلي الحاسة البصرية، فيستهل أول قصائد الديوان، بمكون سمعي، وهي قصيدة ( للمهزومين أن يفخروا بالبطولة "، فأول بيت بالقصيدة : " أعشقُ موسيقى الضوء الشارد "، وسنشير إلى بعض المكونات السمعية الأخرى : " ومن يحفظ صوت أمي / حين كانت تغني / ( آخر العنقود ) لي "
" ما رد سوى صوت القطار "، " من يطمئنني على البنت التي كانت تلقي علينا بتحية الصباح "، " لا يمل تسميع الأغاني الطويلة "، " لا أخجل من غنائي أمام المارة "، " كنت لا أملك آلة موسيقية "، " صنعت من مشط الشعر ضيق المسافات / مع قصدير علبة السجائر آلة رائعة "، " كنت أغني لأم كلثوم والعندليب وأبكي مع هاني شاكر ( يا ريتك معايا ) "، " قإذا البيت موسقى "، " كان الراديو في بيت الجارة يجأر بأغاني لحليم "، وهذه عينة عشوائية فليلة من الأصوات التي نقلها لنا، أصوات الموسيفى، وصوت القطار، وصوت الراديو، والأغاني، ودخل في تركيب صوره أيضا أصوات الطبيعة في البيئة الريفية، وأصوات الناس والباعة الجائلين.
والصور الشمية حاضرة في صوره : " كان طيب الرائحة "، " كرائحة الشاي على النار من كف أبي "، " أخاف أن يفطنوا إلى رائحة العرق في ثيابي القديمة "، " يتعطرون بدمي "، " عطر العاشفين منتحرين بوردهم " ويمكن للقارئ أن يطالع في قصائد الشاعر،عشرات الصور التي تدخل الحاسة الشمية في تركيبها، سواء كانت مشمومات بيئة الفلاحين الطبيعية، أو مشمومات مأكولاتهم أو ما يستخدمونه في حياتهم من عطور.
والحاسة اللمسية حاضرة أيضا في مكونات الصورة الشعرية عند الشاعر، منها : " جلدي الذي لا يتحمل دمعة عاشق / يتحمل آلاف النحاتين "، " حملتني كفها الخشنة "، " كظل صفعة بائع الكشري / على خدي الصغير "، " برقبة تحن لرأسها / وكتف يدعو بغير يدين "، " عيونك تلمس جسدي / كجائع "، " لم نشعر بالحر الشديد في شهر يوليو ".
وما يدعو إلى الدهشة هو كثرة الصور التذوقية عند الشاعر، على الرغم أن هذه الخاسة تحديدا هي الأقل دائما في شعر الشعراء، ونذكر مكونات الحاسة التذوقية في صور الشاعر على سبيل المثال لا الحصر : " كطعم الحلوى الطحينية بالسكن الجامعي "، " وهذا الماء المتغير طعمه "، " نسيت كفي الثقيلة طعم الفاس "، " كنا نأكل البتاو الأصفر بالجبن القديم / ونشرب الشاي الثقيل على الطريق "، " شايه الأسود / ليس كمثله شاي "، " أواني الذهب لا طعم لها "، " أشهى أفلام الحب "، " أعرف أن حُلوق الفقراء مريرة / مثل الشاي بحلق أبي / أو / ثمرة حنظل "، وحاضرة في طعم الذرة المشوية، والطعمية البائتة، وعصير اليمون .. إلخ.
والشاعر يمتح من الواقع المعيش، وصوره التي نقل لنا من خللها المشاهد بشكلها الواقعي جاءت أكثر تأثيرا وإقناعا وإمتاعا للمتلقي، فتثير عواطفه، وتحرك وجدانه، والصور إجمالا في هذا الديوان اتسمت بالوضوح والسهولة، فلا غموض ولا إلغاز، ويميل في صوره أحيانا إلى ذكر التفاصيل، فهو ينظر إلى المشهد من شتى الزوايا، ويقلبه على كل الجوانب، ويحيط به إحاطة كاملة وتامة، ثم يصوره تصويرا واقعيا.
==
وأرجو بعد هذا العرض السريع لمعظم قصائد الديوان، أن يكون القارئ قد توقف من خلال النماذج المختارة من شعر شاعرنا، على انفتاحه على الفنون الأخرى، وعلى نزوعه وتوقه إلى التداخل والتماهي معها، فقد أفاد من فن السرد، ومن فني التصوير والنحت، والدراما، والسينما وغيرها.
وأرجو أيضا أن يكون القارئ قد توقف على محاولات الشاعر الدءوبة لمعالجة قضايا هذا الواقع بفنية واثبة وجمال آخاذ، وأن يكون قد أشبع عند القارئ ذائقته ولبى حاجته الجمالية.
فالشاعر الذي جاهد بشعره في الدفاع عن حقوق الفقراء والمهمشين التي استلبها السادة، وبحثه الدائم عن القيم العليا، ولا يمل أبدا من مناداته بالعدالة والحرية والكرامة، والحق والخير والجمال، ولم يجد صدى لأمنياته ودعواته الطيبة، وكأنها كانت قبض ريح، وكأنه صارخ في البرية، بل تم تهميشه كإنسان وشاعر، وقبع في مؤخرة الصفوف، وهو يرى حوله الأقزام من الشعراء يتقدمون الصفوف، وإذا كان قد بدا لنا في الكثير من قصائده شاعرا متمردا ثوريا، وثورته وتمرده على الأوضاع المتردية، لم تأت بالنتيجة المرجوة، وأدى به التمرد والثورة إلى الإحباط، وتجرع مرارة الحزن والألم والإحساس بالغربة، ويعكس شعره صدى هذه الأحاسيس، كما يعكس في تصويره صدى نفسيته المعذبة التي ثارت وتمردت على كل انحراف، وهذه الأوضاع المتردية جعلت المدينة لا مدينة، فسعى بعد تشريحه للواقع المهترئ، وإبراز مثالبه، إلى إنشاء واقع جديد ومواز له، وإنشاء المدينة الفاضلة التي ينشدها، ومدينته هي الفردوس المفقود الذي يبحث عنه، وهي ليست أفلاطونية أو جنة سماوية، ولكنها قائمة على الحب، ومراقبة هذا الحب داخل كل إنسان، ومحاولة تنميته، وتعهده بالرعاية، ومحاولة الوصول به إلى السمو والرقي والكمال، إنه الحب الصوفي الذي يعلو بالإنسان أقصى درجات العلو، فيعرف الإنسان به التسامح وقبول الآخر، ويعرف الرحمة والصفح والغفران، ويُعلي في مدينته الفاضلة من قيمة الحرية، والعدل والحق والخير والجمال، وهو يحاول أن يشرك قارئه معه في إنشاء هذه المدينة، ويستطيع القارئ بإعمال عقله وإشعال خياله، أن يتعرف على هذه المدينة من خلال بعض المشاهد المبعثرة في ثنايا قصائد الديوان، وقد عرضت بشئ من التفصيل، بعض النماذج التي قدمها لنا الشاعر، وتستحق أن تعيش في هذه المدينة الفاضلة، وهي النموذج والمثال الذي يجب أن يُقاس عليه، ومن هذه النماذج :
نموذج الأب، نموذج الأم، نموذج الزوج، نموذج الزوجة، نموذج الأخ، نموذج الابن، نموذج الابنة، وغيرها من النماذج.
ويستطيع القارئ أن يستشف بعض النماذج الأخرى، مثل نموذج رجل الدين، والمُعلم، الطبيب، ورجل الأعمال وغيرهم من النماذج، والشاعر يفضل في مدينته الفاضلة، قيم وأخلاق القرية، التي كانت حاضنة لها قبل أن يجرفها تيار التغيير، وتتراجع هذه قيم القرية وأخلاقها، فالقرية القديمة هي حنين الشاعر، وتوقه إليها في كل نصوصه، ومازال قابضا على نقاء القرية ونقاء سريرة أهلها، وسأكتفي هنا بنموذجين آخرين، وهما نموذج المسئول ( ضابط الشرطة ) و ( الحاكم )، ومواصفتهما في المدينة الفاضلة.
= فيُظهر لنا في قصيدته ( لو كنت ضابط شرطة ) بعض أمنياته الجميلة لضابط الشرطة، والصورة المُثلى التي يجب أن يكون عليها في مدينته الفاضلة، فيقول :
" لو كنت ضابط شرطة
ولن أضع صورتي بالبدلة الميري
كصورتي الشخصية
لن أحمل المسدس هكذا
وسأترك مقعدي
لشيخ مُسن
وأصنع شايا لامرأة
تشبه أمي
جاءت تشكو البلدية
بعثروا خُضارها
أعطي سجائري للمدمنين
وأربت على كتف لص
سرق جُوال دقيق
لصغار جاعوا من ألفي عام
لو كنت ضابط شرطة
لن أغمز لامرأة
باعت شرفها بعلبة لبن
أو شريط دواء
لصغير يحبو من آلام
لن أجرح قلبها المكسور
ولن أتعقب عاشقين
يسرقان
من حنك الأيام
قُبلة خائفة "
= وعن الصورة المُثلى للحاكم لهذه المدينة الفاضلة، الذي سيأتي ليقيم العدل، ويملأ الصوامع بالقمح، وينتصر للفقراء، يقول في قصيدة ( يوما ما ) :
" يوما ما سيحكمنا رجل عادي "
ما هي مواصفات هذا الرجل العادي الذي سيحكم المدينة الفاضلة :
" يأكل الطعام ويمشي في الأسواق "
" رجل عادي
كان يعمل عتالا
ينام على رصيف الحاويات
يعرف قيمة عرق الجبين
وأكل العيش من عمل اليدين "
وهذا الحاكم :
" لا يعرف ضبط رابطة العنق
أو تلميع الحذاء "
" يجري حافيا خلف امرأة
يحمل عنها كومة من حطب "
" رجل عادي
لا يجيد الخطابة
لكنه يثق كثيرا في الشباب
ترقد امرأته في مستشفى حكومي
أطفاله يفطرون الفول
يجرون خلف باص مزدحم
يرجون تقسيط المصروفات "
" رجل عادي
يفتح بيديه الناشفتين مجرى الماء لفلاح هرم
ويحش البرسيم لأرملة عجوز "
" رجل عادي
بلا بطولات
لم يقد طائرة
ولم يضرب رصاصة
لكنه سيزور الكتيبة تحت قصف النار
ربما وهو يتناول سيجارة فرطا من جنديه الأسمر
فارع الطول مفتول الذراع
سيربت على كتفيه
ويدعوه ليستريح قليلا
كي يرتدي بدلته الكاكي الرخيصة
سيحاول ضرب العدو
ربما سيصاب
أو ربما سيداريه الجنود بأجسادهم
بل سيفدونه "
هذا الرجل العادي :
" بلا بطولات
ولا نياشين
ولا وسامة
يملأ الأرض عدلا
... وخزائن الأرض قمحا
وينصف الفقراء "
==
وبعد :
هذه قراءة انطباعية تذوقية في ديوان ( الغبار " للمهزومين أن يفخروا بالبطولة " ) للشاعر حسني الإتلاتي، الذي يستحق أن يكون في صدارة صفوف أبناء جيله، قياسا على جودة إبداعه، وأعتقد أن الضمير الأدبي في وطننا يعاني من أزمة، فالشاعر يستحق أرفع الأوسمة، وأكبر الجوائز، وتستحق أعماله أن تُطبع وتُوزع على نطاق واسع، وحتى يستعيد الضمير الأدبي عافيته، أشكر الشاعر شكرا جزيلا الذي أتاح لي قراءة هذا الديوان، كما أتاح لي أيضا قراءة ديوان ( برديات جديدة للفلاح الفصيح )، وأرجو أن يتاح لي قراءة باقي دواوينه، فقد صرت من محبيه ومريديه، وأرجو أن أكون قد نثرت بعض قطرات الضوء حول الديوان، كما أرجو أن أكون عند حُسن الظن وعلى مستوى الثقة، ومن الله التوفيق.
........................................................
العاشر من رمضان – ديرب نجم
31 /3، 1 /4 / 2026م






0 comments:
إرسال تعليق