لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر مبـرّر بمنطق معيّـن، رواية "حاكمة القلعتين" للكاتبة السوريّة لينا هوّيان الحسن، أجلستني في مكاني أكثر من أربع ساعات متواصلة لأقرأها. أيّ جو غريب هذا الذي تطفح به الرواية؟ وأيّة عوالم غريبة تجتاح هذا السرد؟ مائتي صفحة والحلقات متسلسلة، والحبكة مهندسة، لم أشعر بترهّل البنية الروائيّة، ولا بتنميط الحكايات المشكّلة للسرد العجائبي، خلقت الروائيّة عوالم متعدّدة من الخيال في كلّ مرّة تحكي فيها عن عرّافة أو ساحرة.
يقف السرد في منطقة وسطى بين السرد الواقعي والسرد المتخيّل الأسطوري أو الخرافي، سرد يمتـزج فيه النوعان ببراعة امرأة حكّاءة، ساحرة سرد، لم تعد تفرّق بين الساردة الروائيّة وأمّها والكاتبة نفسها وأمّها، ولا حتّى بين ساحرات الشام وعرّافتها وأمّ الساردة وأمّ الروائية. ثمّة تداخل محيّر لذيذ في هذه الرواية.
يدور اسم لينا هوّيان الحسن بيني وبين إحدى الكاتبات، ونستغيبها في جمالها الأشقر الفاتن، لأكتشف أنّ لها صلة بالجمال الروسي من جهة جدّتها لأمّها، حتّى أنّ اسمها منحتها إياه أمّها على "اسم نهر ثلجي في شمال الأرض اسمه نهر لينا". (ينظر: الرواية، ص 191). هذا نصّ من اعتراف سجّلته الكاتبة في آخر رواية "حاكمة القلعتين".
أتابع ما تنشره هذه الكاتبة على حسابها في (أنستغرام) و(ثريديز) من اقتباسات، وصور تبدو فيها في غاية الأناقة والجمال، كما أتابع ما تنشره الصحف حول صدور رواياتها أو وصول إحداها إلى القائمة القصيرة لإحدى الجوائز، لكنْ ما لفت انتباهي ما دوّنته على حسابها في (Threads): "كلّ كاتبة تخفي قصصاً لا يعرفها أحد، والأدب يسمح لها أن ترويها بصوتٍ خافت"، هذه جملة رائعة تحمل اعترافاً بأنّ الأدب، ولا سيّما الروايات- تحمل شيئاً من الحياة السرّيّة للكاتب أو للكاتبة، مثل هذا الاعتراف يتحاشاه الكتّاب والكاتبات جميعاً، وتجرّأت لينا الحسن على إعلانه، إنّها امرأة شجاعة أيضاً وليست جميلة فقط، تشبه بعض عرّافاتها التي تتبّعتْ سيرتهنّ في الرواية، إذاً؛ امرأة بهذه الشجاعة تستحقّ أن يُقرأ لها. وهكذا كان؛ فعندما وقعت بين يديّ روايتها "حاكمة القلعتين" وقد أتتني قادمة تتهادى عبـر إحدى مجموعات التيلغرام الثقافيّة المخصّصة لتعميم الكتب الإلكترونيّة (مكتبة نوميديا)، هناك، وفي تلك اللحظة، كانت الرواية أعظم هديّة لي.
رواية أخرى، أكون مدفوعاً بقراءتها بفعل نشاط ندوة اليوم السابع التي تعمّم الكتب بنسخ إلكترونيّة كذلك على أعضائها في مجموعة (WhatsApp)، إنّها رواية للفتيان والفتيات للكاتبة نزهة الرملاوي بعنوان "الشجعان والمارد العملاق"، ثمّة ما هو مثيـر حقاً في هذه الرواية، تحدّثتُ عنه بإسهاب في قراءة موسّعة. ما أغراني بقراءة هذه الرواية أمران إضافيّان غيـر أنّها من الكتب التي ستناقش في الندوة المذكورة، الأوّل كتابة صديقي حسن عبّادي عن الرواية، وإثارة نقاش بيننا حول مجموعة من الملحوظات، وتقييمه العامّ لها. أنا أثق برأي صديقي حسن، كونه قارئاً نهماً وشاسعاً في قراءاته، وهو ذو ذائقة مدرّبة وخبيـر كتب من الدرجة الأولى، لكنّنا على ما يبدو سنختلف كثيـراً هذه المرّة، وليس كما اتّفقنا عندما قرأنا وناقشنا معاً كتاب "شيء يذكّرني بي" لصديقنا الشاعر الرفيق عبد السلام العطاري، هنا اتّفقنا كثيراً، أمّا مع شجعان الرملاوي فكنّا على طرفي نقيض تقريباً.
على أيّة حال، تابع حسن قراءته، وأنا تابعت تأمّلاتي، لآخذ الرواية بعيداً عن قراءة حسن، لعلها تخدمني في هدفي الآخر؛ وهو أنّني أعمل ما أمكنني ذلك على سدّ بعض فجوات كتابي الذي أعمل عليه "ملامح من السرد المعاصر- أصوات نسائيّة"، تتطلّب فكرة الكتاب أن أضمّ سروداً متنوّعة في ملامحها إلى هذا الكتاب ليكون بإمكاني القول إنّني استطعت إخراج كتاب قد يراعي خطوطاً بارزة وملامح عامّة في سرود الأديبات، سواء أكان السرد قصّة قصيرة أم رواية أم نصّاً وجدنيّاً، وبغضّ النظر أكان السرد للفتيان والفتيات والأطفال أم كان للكبار.
قرأت رواية الرملاوي، واستمتعت بها جداً، وأثارت فيّ مخزوناً معرفيّاً هائلاً بدءاً من الأساطير إلى الحكايات الشعبيّة، إلى الموضوعات التربويّة، إلى المعارف الأدبيّة والدينيّة والقيميّة، كانت بحقّ رواية تستحقّ أن تنفق على الاشتغال والانشغال بها يوماً كاملاً، وقد أضافت قراءتي لها ملامح سرد أغنت التحليل النقدي وعمّقته في ذلك الكتاب.
ولذات الهدف، الأخير هذا بالطبع، قرأت "حاكمة القلعتين"، وقرأت رواية عدنيّة شبلي "تمويه". عندما تابعت حلقة برنامج مطالعات، وكانت هي ضيفة الحلقة، بحثت عن الرواية فوجدتها بنسخة إلكترونيّة، ولم أجدها وحدها، بل وجدت معها رواياتها السابقة، "تفصيل ثانوي"، ورواية "مساس"، ووجدت شيئاً عن ومن رواية "كلّنا بعيد بذات المقدار عن الحبّ"، لم أعثر على هذه الرواية كاملة، وجدت نصّاً بالعنوان نفسه منشوراً في العدد المزدوج لمجلّة الكرمل (76-77) (خريف 2003) تحت تصنيف "نصوص روائيّة" ويبدو كما هو في هامش الصفحة الأولى "فصل من رواية"، واحتلّ من العدد (13) صفحة من صفحة 159 إلى صفحة 171، وهو بعنوان "المقدار الأوّل". لم تكن عدنيّة شبلي- إذاً- روائيّة مغمورة بالنسبة إليّ، أعرفها منذ أكثر من (22) عاماً من مجلّة الكرمل التي أحتفظ بكلّ أعدادها الصادرة في فلسطين، ومن المؤكّد أنّني كنت قد قرأت لها أو على الأقل قرأت اسمها وأنا أتصفّح الفهرس، مع العلم أنّني كنت أقرأ عدد المجلّة كاملاً أو أغلبه عندما يصدر، عدا أنّ عدنيّة عادت إلى الواجهة مع روايتها تفصيل ثانوي، وما أحدثته من حراك أدبي حولها في الوسط الثقافي الفلسطيني، فقرأت عنها الكثير، ثم تصبح أكثر وضوحاً في حرب غزّة الأخيرة حيث الضجّة التي صاحبت إعلان إلغاء معرض فرانكفورت الدولي للكتاب الحفل الخاصّ بتسلم الكاتبة جائزة ليبراتو بريس لعام 2023 عن روايتها "تفصيل ثانوي"، وهي جائزة أدبيّة تمنحها الجمعيّة الأدبيّة الألمانيّة ليتبروم، بعد أن تُرجمت الرواية إلى الألمانيّة، وكان من المفترض أن تتسلّم الجائزة في المعرض يوم الجمعة: (20/10/2023)، فطفا على السطح من جديد اسم عدنيّة شبلي وروايتها تفصيل ثانوي، وصار النقاس سياسيّاً وأخلاقيّاً أكثر منه ثقافيّاً.
بدا لي من خلال الحوار التلفزيوني أن عدنيّة شبلي روائيّة ذات مزاج خاصّ وملامح خاصّة، ولا سيّما عندما حاورتها نجوى بركات حول الأسلوب واللغة، كان أمراً لافتاً بالنسبة لي، فأمر الصراع اللغوي ليس سهلاً طرحه في الروايات، وأحببت أن أرى كيف تناولت الرواية هذا الموضوع الشائك الذي هو بحثيّ أكاديميّ أكثر من كونه روائيّاً. هل هذا صحيح؟ لا أظنّ أنّ ثمّة موضوعات روائيّة وأخرى بحثيّة، بل إنّ كلّ موضوع هو بحثيّ وروائيّ وشعريّ، إنّما قلت ذلك لأنّ طرح هذا الموضوع شائك في الروايات ويلزمه حنكة ومقدرة، ولأنّني مهتمّ بمسألة "الأمن اللغوي" وقرأت روايات لأدباء فلسطينيّين ينتمون إلى فلسطين المحتلّة عام 1948، ووجدت ما لي عليه ملحوظات كثيرة، لم أجد هذه المسألة في رواية عدنيّة شبلي، لن أتحدّث عن هذا، وسيكون له موقعه في كتابي هذا المخصّص لرصد بعض تلك الملامح السرديّة.
قراءة رواية "تمويه" لم تكن سلسلة بالقدر المعهود لديّ؛ نصّ متّصل متسلسل، لا فواصل تقطع السرد، ولا عناوين. تجبرك الكاتبة على أن تظلّ تقرأ وتقرأ إلى أن تنتهي، قراءة صعبة لاهثة، لا تريد لك الرواية أن ترتاح، أو أن تلتقط أنفاسك. وعلى الرغم من أنّ الرواية لا تتجاوز 160 صفحة إلّا أنّها نفسيّاً صعبة القراءة أكثـر من رواية معنونة بعناوين داخليّة مكوّنة من (400) صفحة مثلاً، بدأت بقراءتها صباح الخميس (9/4/2026) ولم تنتهِ إلّا بعد ظهر يوم السبت (11/4/2026) رواية مرهقة جدّاً، وتدخلك في تحدّي القراءة لساعات متواصلة، في هذه الأيّام الثلاثة ربّما أنفقت في قراءة الرواية أكثـر من أربع ساعات، ولم أدوّن عليها إلّا القليل من الملحوظات التي تخصّ بعض الجمل الساخرة، وبعض الإشارات حول الخيول والقطط، وتدخلات الكاتبة في السرد التي تشير صراحة إلى أنّها تكتب رواية، وأخيـراً ملاحظة تخصّ انحياز اللغة الإنجليزيّة في التقارير الصحفيّة العالميّة التي تبني الفعل للمجهول عندما يكون الفلسطيني ضحيّة، على الرغم من أنّ اللغة الإنجليزيّة- كما تقول الكاتبة وهي التي تجيد الإنجليزيّة- تكره بناء الفعل للمجهول. (يُنظر: الرواية، ص 147)
لم يعد هذا الأسلوب الكُتَلي متّبعاً في تصميم الروايات، ذكّرتني طريقة طباعتها وصفّها، بالكتب الفكريّة التي كنت أقرأها للشيخ تقيّ الدين النبهاني- رحمه الله- ككتاب التفكير، والتكتّل الحزبي، لم يضع الشيخ لهذه الكتب عناوين فرعيّة داخليّة، إنّما فكرة تجرّ أخرى حتّى يتـراكم النص بعضه وراء بعض، جرّبت لغايات حزبيّة وقتها أنْ أضع لذينك الكتابين عناوين، وربما أفلحت، وهذه الرواية كانت مثل هذين الكتابين إلّا أنّني لم أفكر بوضع عناوين تقسّم السرد، لأنّ الكاتبة لم تدع لأحد مجالاً أن يفعل مثل هذا.
ماذا يعني هذا الشكل الروائي الطباعي؟ أظنّ أنّه يتّفق مع طريقة عمل الروائيّة على روايتها، فهي لا تكتب نصوصاً تفبركها لتصبح رواية كما يفعل روائيّون آخرون أحياناً، هي تكتب رواية متّصلة إن تقطّعت في العناوين انقطعت بنيتها السرديّة وتبعثر جريانها اللغوي، لقد قدمت عدنيّة شبلي رواية جدلتها بتأنٍّ وصبر على شكل نصّ سرديّ مجدول تداخلت فيه حكايتا الطالب والطالبة، حتّى ليبدو لي أنّ الرواية كمن يسير على محيط الدائرة، بدأ السرد بهما، وافترقا خلال السرد، ليعودا فيلتقيا في الصفحات الأخيرة من النصّ بطريقة منطقيّة لا تشعر بالإقحام أو الصدفة الروائيّة السمجة، إنّما كان المنطق روائيّاً فنّيّاً عقليّاً واقعيّاً، يتفاجأ القارئ به، وإن حدَسه قبل أن يحدث بقليل، فيضحك مسروراً من شدّة إحكام الصنعة الروائيّة.
لا شكّ في أنّ الأسلوب الذي اتّبعته الكاتبة في بناء هذه الرواية صعب في القراءة، وعصيّ على التجزيء والعنونة، لكنْ إن كان السرد متتابعاً مترابطاً، لا تكرار فيه، مشدوداً، ملموماً، كهذه الرواية، تصبح قراءته ممتعة، المتعة المرهقة، لا المتعة التي تحدث في النفس اللذّة، ومن قال إنّه ينبغي أن تكون الروايات الممتعة لذيذة عند القراءة؟






0 comments:
إرسال تعليق