الأطرش ودروز فلسطين ولماذا نذكره بـذكرى ارتقائه الـ 44/ سعيد نفّاع
وقفات على المفارق
*هذه الوقفات مع: سلطان وَ "العَمْرَه اللّي قُدّامِها لِوانِ!"، وسلطان والتراث الدرزي الإسرائيلي، وسلطان وأدهم خنجر ورجال الدين!، وسلطان وترحيل دروز فلسطين، وسلطان وشهداء النكبة الدروز، وسلطان والدين لله والوطن للجميع، وسلطان وعبد الناصر.
*الوقفة الأولى.. مع سلطان وَ "العَمْرَه اللّي قُدّامِها لِوانِ!"
قبل سنين وحين كانت الأعراس في قرانا عربيّة عامرة؛ صفّ سحجة عامر والحُداة رائحون غادون أمام الصفّ بلباسهم العربيّ "الروزا" يجودون بما قدّرهم الله عليه وغالبًا من المديح، والحشاة (منظّمو الصفوف) يدأبون على تنظيم الصفّ، ويا ويل من يجرؤ على لخْبَطة الصفّ، فإن كان بالغًا صرخ فيه الحاشي: "عدِّل"، وإن كان منّا نحن الشباب والذي كان مكاننا دائمًا "على الجحشة" (يعني ذيل الصفّ)، فـَ "ظبّت حافرك" أو ما شابهها كانت الغالبة.
كانت إحدى "الردّات" المشهورة: "سلطان يا القْرَيّة يا شمعة الديوانِ – عمّر عمارة حلوِة قُدّامها ليوانِ"، علمًا أنّه لم يكن لدى سلطان عمارة حلوة ولا قدّامها ليوانِ، أقول هذا الكلام كمن زار داره في بلدته القْريّة التي ما زالت قائمة كما كانت وهي أكثر من متواضعة حتّى في زمن عزّها.
*الوقفة الثانية.. مع سلطان والتراث الدرزي الإسرائيلي
رجال كثُر من عرب فلسطين؛ دروز وغير دروز شاركوا في الثورة متطوّعين بمرحلتها الأولى 1922 ومرحلتها الكبرى الثانية 1925، وهؤلاء رحلوا ورحلت معهم الكثير من الوقائع. أناس كثُر سوريّون دروز فرّوا من ساحات الثورة وجاؤوا فلسطين محمِّلين معهم ممّا هبّ ودبّ عن الثورة وَ "بطولاتهم" فيها والبطولات منهم براء، وَ "الله يجيرنا من شابّ تغرّب"!
%80، إن لم يكن أكثر من دروز فلسطين اليوم؛ جيل مدرسة "التراث الدرزيّ" المُستعربيّة، لا يعرفون عن سلطان إلّا أنّه درزي ثار على الفرنسييّن لأنّهم لم يحترموا حرمة داره ودخلوها عنوة في غيابه واختطفوا دخيلها (أدهم خنجر)، ولا يعرفون حتّى من هو هذا الـ أدهم خنجر، فلا استعمار ولا احتلال ولا عروبة ولا قوميّة ولا إسلام، فقط نزعة ثأريّة "درزيّة" حماية للمستجير، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال!
والأنكى أنّ بعضهم يروحون يلومون بقيّة العرب، لماذا لا يحتفون بـ سلطان؟ تقول يعني هم يحتفون بِـ عمر المختار!!!
*الوقفة الثالثة.. مع سلطان وأدهم خنجر ورجال الدين!
لم يهدأ بال المستعمر الفرنسيّ يومًا مذ وطأت قدمه سورية فالثورات في كلّ مناطقها ضدّه كانت تشتعل، وفي العام 1922 كان سلطان يطلقها من الجبل وأدهم خنجر اللبنانيّ ابن جبل عامل اللبنانيّ (الشيعيّ إذا حدا يحب أن يعرف) قام بمحاولة اغتيال المندوب السامي "غورو" فأصابه، والتجأ إلى دار سلطان في الجبل فاقتحمها الفرنسيّون واعتقلوا الخنجر وشنقوه لاحقًا، فكانت القشّة التي أشعلت ثورة الـ 22. ما لا يعرفه دروز فلسطين أنّ ثلاثيّة قيادة العقل في الجبل حينها أصدرت بيانًا ضدّ الثورة وسلطان ملقية الحرم عليه وعلى كلّ من والاه (نسخته بين يديّ لمن يُحبّ)، فلم يمهلهم التاريخ فداسهم وسنابك خيل الثورة الكبرى 1925 وعلّى سلطان.
*الوقفة الرابعة.. مع سلطان وترحيل دروز فلسطين
اشتغلت في مخطّط ترحيل دروز فلسطين إلى سورية في ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن الماضي أعلى القيادات الصهيونيّة - حسب المصادر الصهيونيّة؛ من بن غوريون (رئيس حكومة إسرائيل لاحقًا)، وحاييم وايزمن (الرئيس الأوّل لدولة إسرائيل لاحقًا)، ويتسحاك بن تسفي (رئيس دولة إسرائيل الثاني لاحقًا)، وقيادات صهيونية أخرى وازنة؛ آبا حوشي، وإلياهو أفشتاين، ودوف هوز، ويوسف ألفيّة وغيرهم وبعض ما جاء في وثائقهم:
أوّلا: "المهمة أو من بين المهام المناطة بالمتعاملين الدروز هي كذلك خارجية لإيجاد عملاء للحركة من الدروز خارج حدود فلسطين وبالذات في سورية، لإيصالنا إلى قادة الثورة السورية الكبرى وبالذات سلطان الأطرش".
ثانيًا: "وهذا الأهم تنفيذا للخطة المُبيّتة "الترحيل- الترانسفير""... ففي سنة 1938، تم التداول من جديد وبسرية تامة في مشروع نقل الدروز للتوطين في جبل الدروز وبالذات من قرى الكرمل، وقد صيغت الخطة كذلك بسرية تامة باشتراك قسم من القيادات الدرزية على يد رؤساء الوكالة اليهودية وبموافقة الوجهاء(!) الدروز".
ثالثا: "لم يكن لدى المستوطنين الصهاينة صعوبات نفسية أو أخلاقية حول فكرة الترحيل شرط أن تكون إرادية وتفسح مكانا للاستيطان اليهودي. كان من آمن أن الفكرة قابلة للتنفيذ لكل العرب وكان من المتشككين كأوسيشكين وشرتوك... فكرة نقل الدروز من قراهم لجبل الدروز دخلت قلوب رؤساء الحركة الصهيونية بضمير مرتاح لأنه كان سيجيئ بالفائدة لتقوية الدروز في الجبل" (!).
سلطان أفشل كلّ هذه الخطّة وما بعدها، فيقول في مذكّراته: "لقد نصحت أبناء الطائفة الدرزية في فلسطين صراحة بعدم مغادرة أرضهم مهما تحملوا أو سيتحملون من وطأة الاحتلال. ولقد دلّت الأيام أن التشبث بالأرض خير من التشرّد في أصقاع الوطن العربي. إن التقصير في حماية الأرض الفلسطينية لم يقف عند هذا الحد، بل إن اللاجئين الفلسطينيين عانوا الأمرّين من معاملة بني جلدتهم رغم شدّة البؤس الذي يعيشون فيه".
*الوقفة الخامسة... مع سلطان وشهداء النكبة الدروز
ويقول سلطان الأطرش: "لمّا أقرّت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، ورفض العرب قيام دولة صهيونية، وأخذت الحكومات العربية تعد العدّة لتحرير فلسطين وتمنع بالقوة التقسيم حضر إلى الجبل القائد فوزي القاوقجي، وهو صاحب ماض مشرّف في الدفاع عن فلسطين، واجتمع بالمحافظ النّكدي ووجهاء المدينة (السويداء) ثم قدم إلى القْرَيّة (بلدة سلطان) وأطلعني على المهمة الموكلة إليه وهي طلب المتطوّعين في جيش الإنقاذ لمنع وقوع فلسطين في يد الصهاينة. استنهضنا همّة شباب الجبل في تلبية لدعوته فاستجاب الكثيرون لها. ويا ليت الأوضاع العامة في الجبل كانت على غير ما كانت عليه بسبب النزاع الذي حصل بين الشعبيّة والأطارشة، لكنّا زحفنا جميعًا للدفاع عن فلسطين وتعزيز تقاليدنا في الكفاح وحماية الوطن. ولكنّ آثار الفتنة السابقة بين أبناء الجبل جعلت الكثيرين حذرين من مغادرة قراهم. ولقد قدم الجبل عددًا من الشهداء فاق الثمانين شهيدا على أرض فلسطين."
*الوقفة السادسة... مع سلطان والدين لله والوطن للجميع
"إخواني وأبنائي العرب... لقد أولتني هذه الأمّة، قيادة الثورة السوريّة الكبرى، ضد الاحتلال الفرنسيّ الغادر، فقمت بأمانة القيادة، وطلبت الشهادة وأديت الأمانة... انطلقت الثورة من الجبل الأشم، جبل العرب... وشعارها: الدّين لله والوطن للجميع... لتكن وحدتكم الوطنيّة، وقوّة إيمانكم، وتراصّ صفوفكم، هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء، وطرد الغاصبين، وتحرير الأرض... واعلموا بأن ما أُخِذ بالسيف، بالسّيف يؤخذ... وأنّ كأس الحنظل بالعزّ، أشهى من ماء الحياة مع الذّل."
*الوقفة السابعة.. مع سلطان وعبد الناصر
يوم خصّ عبد الناصر إبّان الوحدة الجبل وسلطان في الزيارة التاريخيّة واستقبل في المضافة "التي بلا ليوان"، رحّب به الباشا قائلًا: "أهلاً بالثوار!"، ردّ عبد الناصر التحيّة بأطيب منها وقال: "إن كنّا ثوّارًا فأنت أبو الثوار!"
من أجل كلّ ذلك نحتفي بـ سلطان!
27 آذار 2026
سعيد نفّاع – 7208459- 050
Saeid-naffaa.com















