المطران الدكتور يوسف توما مرقس رئيس أساقفة كركوك والسليمانية/ د. زِيِادْ مُحَمَّد حمُود السَبعَاوِي



كنت قد كتبت قبل عدة سنين مقال بعنوان :

عَينْ زَالَة الفِردَوسُ المَفْقُود

العَم تُوما مُرقُس والد المطران " الدكتور يوسف " رئيس أساقفة كركوك والسليمانية

إستعرضت فيه تأصيل تأريخي لهذه العائلة الكريمة التي يِشارُ لها بالبنان وقد كان لنا شرف صحبة بيت العم توما "رحمه الله تعالى" حيث جمعت بيننا وشائج المحبة فنحن أبناء مدينة واحدة نشأنا وتتلمذنا وكبرنا معاً ولعل أقرب الناس إلى قلبي صديق عمري ليون توما فقد عِشنا معاً منذ نعومة أظفارنا ولا زلنا في تواصلٍ لم تفرقنا المسافات ولا كل الحوادث التي عصفت بتأريخنا المُعاصِر ؛ وأتمنى أن يتم الإطلاع على المنشور الذي تناولنا جانباً يسيراً من حياة سعادة الدكتور يوسف توما

  " المقال موجود في صفحتي"

جاء مقدمته :

ذكرياتٌ تأبى الرحيل بل لعلها زادنا الذي ننهلُ منه حينَ تجدب أيامنا ويصيب حياتنا القحط والتصحر لذا تُرانا نَفِرُّ على عجالة إلى تلكمُ الأيامُ الخوالي إلى دجلة الخيرِ ونسماتها إلى الكزرة وقد تجندلت أكتافنا.............. 

نُشير هنا إلى يُوسُف نجل العَم تُوما حينما كان في مقتبل العمر وخلال إستقرار العائلة في عين زالة كثرت كتبه بشكلٍ لافتٍ للنظر ، الأمر الذي إلتمس فيه من والده أن يعمل له مكتبة خشبية لتضم في جنباتها وفوق رفوفها تلك الكتب والمجلات والسجلات ، وبالفعل فقد تم عمل مكتبة خشبية مكلفة حينذاك حيث بلغ سعرها ستة دنانير وهذا مبلغٌ كبيرٌ في وقتها ، وتجدر الإشارة إلى أنَّ بيت العم توما هو البيت الوحيد الذي كان يمتلك مكتبةً في بيته وهذه المكتبة تُعّدُّ إرثاً لهذه العائلة الكريمة ، وقد فرحت حينما علمت أنَّ المكتبة لا زالت موجودة بما فيها وزيادة في بيت صديق عمري ليون تُوما في مدينة زاخو .


 سَعَادة المطران يوسف تُوما رئيس أساقفة كركوك والسليمانية :


 هو نجل العم توما وُلِدَ في مدينة الموصل سنة 1949م وتلقى تعليمه الإبتدائي والثانوي ما بين الموصل وزاخو وذلك لإنتقال العائلة للعيش في زاخو عام 1960م بعد أحداث الشواف الدامية في مدينة الموصل ، حيث قُتِلَ أحد الشيوعيين عند الباب الخارجي لبيت العم توما ، عادَ المطران يُوسُف إلى مدينة الموصل لمواصلة مشوارِه الدِراسي في مَعهد مار يوحنا الحبيب عام 1963م لدِراسَةِ الفلسفةِ واللاهوت لغاية عام 1971م حيثُ إلتحق لأداء خدمة العَلَم "الخدمة العسكرية الإلزامية" عام 1973م .

بُغية مواكبة الحَياة وتأمين مستلزماتها عَمِلَ يُوسف في إحدى الشركات التجارية في العاصمة بَغداد لغاية شهر نَيسان من عام 1974م حيث سافَرَ إلى فَرنسا لإكمال مسيرته العَلمية والحصول الدكتوراه في اللاهوت من جامِعة نانتير في العاصمة الفرنسية باريس ؛ والحصول كذلك على شهادة الدبلوم العالي في الإنتربولوجي أي عِلم الأجناس البشرية من جامعة ستراسبورغ ؛ ليعود إلى العِراق نهاية عام 1979م وهكذا أصبح راهِباً ضمن الرهبنة الدومنيكان في مدينة الموصل عام 1980م 

 تزامن مع هذه التواريخ قَرعُ طبول الحرب العراقية الإيرانية الأمر الذي حَتَّم إستدعائه للخدمة العسكرية بعد شهر من تأريخ عودته رغم حصوله على درجة أو شهادة الدكتوراه ، إستعر إوار الحرب وزاد إتقادُ لظاها مما جعل الراهب الدكتور يُوسف تُوما يؤدي خدمة الإحتياط في الجيش العراقي طيلة 40 (أربعينَ شهراً) وتحديداً لغاية العام 1982م ؛

 باشر العمل في الرهبنة الدومنيكية إثر تسريحه من الجيش ليستمر في عطائه ضمن تخصصه ما بين الموصل وبغداد لغاية عام 2014م حيثُ رُسِّمَ مطراناً لكركوك والسليمانية حتى اليوم ؛ لا يفوتنا أن نذكر هنا أنَّ المطران يُوسف شَغل منصب رئِيس تحرير مجلة الفِكر المسيحي وتبنى فتح دورات وإلقاء محاضرات باللاهوت سُميت بالدورات اللاهوتية للفترة منذ 1984م لغاية 1990م .


آلمتنا الهجمة الشرسة التي تعرض لها سعادة المطران يوسف إثر تصريحه الأخير الذي تناولته وسائل الصحافة والإعلام و....


 ننقل هنا بعض ما كُتِبَ عنه :

المطران يوسف توما يقول الحقيقة: الإمبراطورية الآشورية الدموية بين شهادة الكنيسة وفضح الصحافة السويدية 

بِقلم : وسام موميكا -المانيا 

الكنيسة حين تواجه التاريخ بلا أقنعة: شجاعة المطران يوسف توما نموذجا…


في زمنٍ يختلط فيه التاريخ بالأسطورة، وتُستبدل فيه الوقائع العلمية بسرديات قومية مُسيّسة، تصبح الكلمة الصادقة موقفاً شجاعاً بحد ذاته. من هذا المنطلق، يكتسب ما قاله سيادة المطران الكلداني يوسف توما أهمية فكرية وأخلاقية استثنائية، حين صرّح بوضوح بأن الإمبراطورية الآشورية القديمة كانت من أكثر إمبراطوريات الشرق القديم دمويةً وقسوةً، وهو تصريح لا يمكن قراءته بوصفه رأياً عاطفياً أو موقفاً سياسياً آنياً، بل بوصفه قراءة تاريخية ولاهوتية مسؤولة، منسجمة مع البحث الأكاديمي الحديث ومع أخلاقيات الإيمان المسيحي التي ترفض تمجيد العنف مهما كان مصدره أو غطاؤه القومي.


إن توصيف الإمبراطورية الآشورية بالوحشية ليس اجتهاداً معاصراً، ولا نتاج خطاب كنسي شرقي، بل حقيقة موثقة في المصادر الأولية نفسها، أي في النقوش الملكية الآشورية التي خُلّدت على جدران القصور والمعابد. تلك النقوش، التي لم يكتبها خصوم الآشوريين بل ملوكهم، تصوّر بفخر مشاهد قطع الرؤوس وتكديسها في الساحات العامة، وبناء أهرامات من الجماجم، وسلخ الأسرى أحياءً، وغرسهم على الخوازيق، وقطع الألسنة قبل الإعدام لمنع الصراخ، إضافة إلى التهجير القسري المنهجي الذي كان يهدف إلى اقتلاع الإنسان من أرضه وتدمير هويته القومية اللغوية والثقافية وتحويله إلى تابع منزوع الجذور. هذه الوقائع لا تقف عند حدود الرواية التوراتية أو الذاكرة المحلية، بل تشكّل جوهر المشروع الإمبراطوري الآشوري كما تصفه مصادره الذاتية.


*الحقيقة التي أغضبت المزوّرين: يوسف توما والمقال السويدي في إدانة آشور الدموية…


ولأن الحقيقة لا تكتمل إلا بتقاطع الشهادات، فإن ما قاله سيادة المطران يوسف توما يجد تأكيده أيضاً في البحث الغربي المعاصر. فقد كتب الصحفي والناقد الثقافي السويدي ( نيلس فورسبرغ ) في صحيفة «إكسبريسن» مقالاً بعنوان «فظائع آشورية تجعل تنظيم داعش يبدو باهتاً»، عرض فيه خلاصة قراءة أكاديمية لمعرض المتحف البريطاني عن آشوربانيبال. ويقول فورسبرغ، في ترجمة دقيقة عن السويدية إلى العربية :

( "إن الآشوريين كانوا يقطعون الرؤوس بالمئات ويكدسونها أمام أسوار المدن، ويبنون أهرامات من الجماجم، ويفقؤون الأعين، ويسلخون الناس أحياءً، ويغرسونهم على خوازيق طويلة ليطيلوا عذاب الموت، ويقطعون الألسنة قبل الإعدام كي لا تُسمع الصرخات. ويؤكد أن هذا العنف لم يكن عرضياً، بل نظاماً قائماً على منطق الرعب وقد بلغ حدّ العبث، وأن الآشوريين تميّزوا بقسوة شبه مطلقة مقارنة بالمصريين والحثيين واليونان والرومان، بل يذهب إلى القول إن الجهاديين المعاصرين يعملون ضمن نموذج قديم، وإن ما يُظن اليوم عنفاً غير مسبوق ليس إلا ظلاً باهتاً لما مارسته الإمبراطورية الآشورية ) .


إن إدراج هذه الشهادة الصحفية السويدية ليس للتشبيه السياسي، بل لإبراز حقيقة علمية مفادها أن توصيف الإمبراطورية الآشورية بالدموية ليس موقفاً شرقياً معزولاً، ولا رأياً كنسياً خاصاً، بل خلاصة بحث تاريخي وأثري وثقافي تتبناه اليوم مؤسسات علمية وصحافة أكاديمية غربية. ومن هنا فإن موقف سيادة المطران "يوسف توما " لا يخرج عن الإجماع العلمي، بل ينسجم معه انسجاماً كاملاً.


*من الكنيسة إلى الصحافة السويدية: الإمبراطورية الآشورية في ميزان الحقيقة…


أما من الناحية اللاهوتية، فإن شجاعة المطران تكمن في رفضه تبرير العنف التاريخي أو إعادة تدويره في خطاب هويّاتي معاصر. فاللاهوت المسيحي، في جوهره، لا يُمجد الإمبراطوريات ولا يقدّس السيف، بل يدين الظلم وسفك الدم ويضع كرامة الإنسان في مركز الرسالة. لذلك، فإن تسمية الأشياء بأسمائها، ورفض تحويل إمبراطورية آشورية دموية منقرضة إلى رمز فخري أو امتداد روحي، هو موقف إيماني مسيحي قبل أن يكون موقفاً تاريخياً.


ومن الناحية القومية والعلمية، فإن الخلط بين شعوب مشرقيّة مسيحية سريانية آرامية حيّة اليوم وبين إمبراطورية آشورية قديمة منقرضة هو إسقاط أيديولوجي حديث لا سند له في علم التاريخ أو الأنثروبولوجيا. فالانتماء الكنسي واللغوي والثقافي لشعوب المنطقة لا يُشتق من ادّعاء إمبراطوري دموي، بل من تاريخ طويل من الاستمرارية الحضارية والروحية التي لا علاقة لها بمشاريع القتل والبطش القديمة. إن الدفاع عن هذه الحقيقة لا يستهدف أي شعب، بل يحمي الذاكرة الجماعية من التزييف.


من هنا، نقولها بوضوح واحتراماً لسيادة المطران الكلداني يوسف توما: "أنت على حق. ونحيّيك على شجاعتك وصراحتك في قول الحقيقة كما هي، من دون مواربة أو حسابات ضيقة. ونأمل، بل نطالب أخلاقياً، بأن يتحلّى سائر رجال الدين في كنائسنا الكلدانية والسريانية بالشجاعة ذاتها، وأن يقولوا ما يقوله العلم والتاريخ والضمير، لأن الكنيسة لا تخسر حين تقول الحقيقة، بل العكس تماما فإنها تفقد رسالتها حين تصمت عنها.!!؟


إن التقاء شهادة رجل كنيسة مشرقي مع تحليل صحفي سويدي مستقل يؤكد أن الحقيقة لا تُقاس بالانتماء ولا بالجغرافيا، بل بمدى التزامها بالوقائع. وحين تتجرد الذاكرة من التزييف، يصبح التاريخ مساحة للتعلّم لا أداة للتحريض، وتصبح الشجاعة الفكرية فضيلة، لا استثناءً .


❖ ❖ ❖ ❖ ❖ 

شكراً للأستاذ الفاضل عبد الستار احمد الذي أثرانا بهذه الكلمات العطرة :

منشورٌ يفيضُ بالوفاء قبل أن يفيض بالمعلومة، ويجمع بين دفء الذكرى ورصانة التأريخ..في سيرةٍ مشرقة لرجلٍ حمل العلم .. وسار بهما في دروبٍ شاقة من الموصل إلى زاخو، ومن بغداد إلى باريس، ثم عاد ليكون راعياً وأباً روحياً في كركوك والسليمانية..إن الحديث عن المطران الدكتور يوسف توما مرقس ليس استذكاراً لشخصٍ فحسب، بل استحضارٌ لجيلٍ كاملٍ صاغته الكتب والمكتبات الأولى.. تلك التي كانت بذرة الوعي ونافذة الروح على العالم. وما أجمل أن تبقى مكتبة والده توما شاهداً حيّاً على أن المعرفة إرثٌ لا يفنى.. وأن البيوت التي تسكنها الكتب لا تموت.كما أن شجاعة الكلمة التي عبّر عنها سيادته تذكّرنا بأن الكنيسة حين تنطق بالحقيقة لا تضعف..بل تزداد نقاءً، لأن رسالة الإيمان لا تقوم على تمجيد العنف..بل على الدفاع عن كرامة الإنسان وصدق التاريخ. بارك الله بعطاء المطران يوسف توما، وأدام هذه الأقلام التي توثق الذاكرة وتكتب المحبة قبل أن تكتب السطور.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق