أدوار الدول الإقليمية فيما يجري من نزاع في الشرق الاوسط، مقاربة جيوسياسية/ د زهير الخويلدي
في سياق الجيوسياسة المعاصرة، يُعد الشرق الأوسط منطقة محورية تتقاطع فيها مصالح الدول الكبرى والإقليمية، حيث تشكل النزاعات المستمرة مثل الحروب في سوريا واليمن، والتوترات حول فلسطين وإسرائيل، والصراعات في العراق ولبنان، وكذلك الاضطرابات في السودان وليبيا، ساحة للمنافسة الاستراتيجية. هذه النزاعات ليست مجرد صراعات داخلية، بل تعكس ديناميكيات أوسع تتعلق بالسيطرة على الموارد الطاقية، الطرق التجارية، والتوازنات الأمنية. في هذا الإطار، تلعب دول إقليمية وخارجية مثل الصين وروسيا وإيران وتركيا والسعودية ومصر أدواراً حاسمة، حيث تتقاطع مصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية لتشكيل خريطة المنطقة. هذه الدول ليست مجرد مراقبين، بل فاعلين يسعون إلى تعزيز نفوذهم من خلال التحالفات، الوساطات، والتدخلات المباشرة أو غير المباشرة، مما يعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في ظل تراجع النفوذ الأمريكي النسبي وصعود قوى آسيوية وإقليمية. يتطلب فهم هذه الأدوار مقاربة جيوسياسية تركز على كيفية استخدام هذه الدول للجغرافيا، الاقتصاد، والقوة الناعمة لتحقيق أهدافها، مع مراعاة التفاعلات بينها التي قد تؤدي إلى تصعيد أو تهدئة النزاعات.
تبدأ الصورة الجيوسياسية بالنظر إلى روسيا، التي عادت إلى المنطقة كقوة رئيسية بعد عقود من الغياب النسبي عقب انهيار الاتحاد السوفييتي. يركز الدور الروسي على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي من خلال دعم الدول المركزية، كما في سوريا حيث تدخلت موسكو عسكرياً منذ عام 2015 لدعم نظام بشار الأسد، مما أدى إلى الحفاظ على وحدة البلاد ومنع تفككها إلى كيانات طائفية أو إقليمية. هذا التدخل ليس مجرد مساندة للحليف، بل استراتيجية جيوسياسية تهدف إلى تأمين وجود روسيا في البحر المتوسط من خلال قواعد عسكرية مثل طرطوس ولاذقية، التي توفر لموسكو نفوذاً بحرياً يمتد إلى أفريقيا وأوروبا. كما أن روسيا تسعى إلى توسيع نفوذها في العراق وليبيا واليمن، حيث تدعم جهود الحفاظ على الوحدة الإقليمية ضد التقسيمات الخارجية، مستفيدة من علاقاتها مع إيران لتشكيل محور يواجه الغرب. في الوقت نفسه، طورت روسيا علاقات اقتصادية قوية مع دول الخليج، خاصة السعودية، من خلال آلية أوبك+ لتنظيم أسواق النفط، مما يضمن لها دخلاً مالياً هائلاً يدعم اقتصادها في ظل العقوبات الغربية الناتجة عن حرب أوكرانيا. هذا التوازن الجيوسياسي يجعل روسيا لاعباً يفضل الدبلوماسية المرنة، كما في دعمها للوساطات في اليمن أو العراق، لكنها لا تتردد في استخدام القوة العسكرية للحفاظ على مصالحها، مما يعزز من دورها كبديل عن النفوذ الأمريكي في المنطقة.
من جانب آخر، تبرز الصين كقوة اقتصادية ناعمة تسعى إلى إعادة تشكيل الجيوسياسة الشرق أوسطية دون التورط العسكري المباشر، مستفيدة من مبادرة "الحزام والطريق" التي تربط آسيا بأوروبا عبر المنطقة. يركز الدور الصيني على التنمية الاقتصادية كأداة للنفوذ، حيث أصبحت بكين أكبر مشترٍ للنفط العربي، خاصة من السعودية والعراق، مما يجعلها شريكاً تجارياً لا غنى عنه. في إيران، تساهم الصين في تطوير ممرات برية استراتيجية تتجنب المضائق البحرية الحساسة مثل هرمز وملقا، مما يعزز أمن الطاقة الصيني ويقلل من الاعتماد على الطرق البحرية التي قد تكون عرضة للتوترات. كما أن وساطتها الناجحة في عام 2023 بين إيران والسعودية أدت إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية، مما ساهم في تهدئة التوترات في اليمن ودفع عملية إعادة الإعمار في سوريا، حيث تفضل الصين الحلول السياسية على التدخلات العسكرية. هذا المنهج الجيوسياسي يعكس رؤية بكين للمنطقة كساحة للتعاون الاقتصادي، حيث طورت علاقات مع مصر من خلال مشاريع في قناة السويس والمناطق الاقتصادية، ومع تركيا عبر استثمارات في البنية التحتية. ومع ذلك، يظل الدور الصيني حذراً تجاه النزاعات العسكرية، كما في فلسطين حيث تؤكد على التنمية والسلام دون تقديم دعم عسكري، مما يجعلها بديلاً جذاباً للدول الشرق أوسطية التي تبحث عن توازن بعيداً عن الاستقطاب الأمريكي، ويعزز من انتقال المنطقة نحو نظام متعدد الأقطاب.
أما إيران، فهي تمثل محوراً جيوسياسياً يعتمد على شبكة من الوكلاء والتحالفات لتوسيع نفوذها، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي بين الخليج والشرق الأوسط. يركز دورها على مواجهة النفوذ السعودي والإسرائيلي، من خلال دعم الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان، حيث تسيطر على ممرات حيوية تربط طهران بالبحر المتوسط، مما يمنحها نفوذاً جيوسياسياً يمتد إلى أوروبا. في اليمن، تدعم إيران الحوثيين كوسيلة للضغط على السعودية، مما يهدد الملاحة في باب المندب ويعزز من قدرتها على التحكم في تدفقات الطاقة. هذا النهج يعكس استراتيجية "المقاومة" التي تجمع بين العناصر العسكرية والاقتصادية، خاصة مع تقاربها مع روسيا في مواجهة العقوبات الغربية، ومع الصين لتطوير اقتصادها المقاوم. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولاً نحو الدبلوماسية، كما في الاتفاق مع السعودية الذي خفف من التوترات الإقليمية، مما يشير إلى انتقال محتمل في السياسة الإيرانية نحو التوازن، خاصة مع الضغوط الداخلية والاقتصادية. هذا الدور يجعل إيران عاملاً في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية، حيث تسعى إلى تحويل النزاعات إلى فرص لتعزيز نفوذها، لكنها تواجه مخاطر التصعيد مع إسرائيل، مما قد يؤدي إلى حروب أوسع.
في مقابل ذلك، تبرز تركيا كقوة إقليمية طموحة تسعى إلى إعادة إحياء نفوذها العثماني التاريخي من خلال مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية. يركز دورها على التدخل في النزاعات المجاورة، كما في سوريا حيث أقامت مناطق آمنة شمالاً لمواجهة التهديدات الكردية وضمان حدودها، مما يمنحها سيطرة على ممرات تجارية حيوية. في ليبيا، دعمت تركيا حكومة الوفاق لتعزيز نفوذها في شرق المتوسط، خاصة في نزاعات الغاز مع مصر واليونان. هذا المنهج الجيوسياسي يعتمد على "الإسلام السياسي" كأداة للقوة الناعمة، مع تحالفات مع قطر في مواجهة السعودية والإمارات، لكنه شهد تحولاً نحو التقارب مع مصر والسعودية منذ عام 2019 لتجنب العزلة. في السودان، ساهمت تركيا في بيع الأسلحة لتعزيز نفوذها في أفريقيا، مما يربط دورها الشرق أوسطي بأبعاد أوسع. هذا الدور يجعل تركيا عاملاً في توازن القوى، حيث تسعى إلى دور وسيط في النزاعات مثل فلسطين أو اليمن، مستفيدة من موقعها كجسر بين أوروبا وآسيا، لكن طموحاتها قد تؤدي إلى تصادمات مع روسيا أو إيران في سوريا.
بالنسبة للسعودية، فهي تمثل قطباً سنياً يسعى إلى الحفاظ على الهيمنة الإقليمية من خلال مواجهة النفوذ الإيراني، مستفيدة من ثروتها النفطية لتشكيل تحالفات. يركز دورها على قيادة التحالف العربي في اليمن ضد الحوثيين، مما يحمي حدودها الجنوبية ويمنع انتشار النفوذ الإيراني، لكنه أدى إلى حرب طويلة أضعفت اقتصادها. في الوقت نفسه، طورت السعودية رؤية 2030 للتنويع الاقتصادي، مستفيدة من التعاون مع روسيا في أسواق النفط ومع الصين في التكنولوجيا، مما يعزز من استقلاليتها عن الاعتماد الأمريكي. التقارب مع إيران في 2023 خفف من التوترات، مما ساهم في تهدئة اليمن وتحسين العلاقات مع العراق، بينما تعزز علاقاتها مع تركيا لمواجهة التحديات المشتركة. هذا الدور الجيوسياسي يجعل السعودية محوراً للاستقرار، حيث تسعى إلى دور أكبر في البريكس+ لتعزيز نفوذها العالمي، لكنها تواجه تحديات داخلية مثل الإصلاحات الاجتماعية التي قد تؤثر على قدرتها على المنافسة.
أخيراً، تلعب مصر دوراً محورياً كدولة انتقالية بين أفريقيا والشرق الأوسط، تركز على الاستقرار الداخلي والأمني. يعتمد دورها على الحفاظ على سيادتها في قناة السويس كشريان اقتصادي عالمي، مما يجعلها شريكاً حاسماً للصين في مبادرة الحزام والطريق. في السودان، ساهمت مصر في بيع الأسلحة لدعم الجيش، مما يحمي مصالحها المائية في نهر النيل ويمنع انتشار الفوضى جنوباً. في غزة، تلعب دور الوسيط مع إسرائيل للحد من التصعيد، مستفيدة من علاقاتها مع السعودية والإمارات. كما طورت شراكات مع روسيا في الأسلحة والطاقة النووية، مما يعزز من استقلاليتها العسكرية. هذا الدور يجعل مصر عاملاً في توازن القوى، حيث تسعى إلى تقارب مع تركيا لتجنب المنافسات في ليبيا، لكنها تواجه تحديات اقتصادية قد تحد من طموحاتها.
في الختام، تتفاعل أدوار هذه الدول في سياق جيوسياسي يشهد انتقالاً نحو تعدد الأقطاب، حيث تشكل روسيا والصين بدائل عن النفوذ الغربي، بينما تتنافس إيران وتركيا والسعودية ومصر على الهيمنة الإقليمية. هذه التفاعلات قد تؤدي إلى تهدئة النزاعات من خلال الوساطات، كما في اليمن وسوريا، أو تصعيدها إذا تصادمت المصالح، مما يعيد تشكيل المنطقة نحو نظام أكثر توازناً لكنه أكثر تعقيداً، مع التركيز على الاقتصاد والأمن المشترك كمحركات للتغيير.
كاتب فلسفي










0 comments:
إرسال تعليق