البحر الأسود ثانيةً / النصف الثاني من آب 1966 إيفا ( Eva ) المجرية/ د. عدنان الظاهر


في اليوم التالي لوصولي موسكو ركبتُ الطائرة لأقضّي أسبوعين على البحر الأسود في المصيف أو المعسكّر المُخصص لطلبة جامعة موسكو الأجانب. أعود ثانيةً لهواياتي المفضلّة سباحة وتجديفاً طويلاً في عرض البحر. ثم فاكهة القوقاس وسلاسل جبال القوقاس التي وجدتها بعد زيارة مصايف بيروت وقمم جبالها العالية لا تضاهي جبال لبنان ولا فاكهة لبنان. فجبال القوقاس مظلمة ليلاً، كذلك كان البحر شديد الظُلمة. ولا غرابة في هذا الأمر، فبيروت عاصمة وميناء دولي ومطار دولي وهي مدينة كبيرة هائلة الإمتدادات الجغرافية. فجبال لبنان شيء وجبال القوقاس شيء آخر. لا تصح المقارنات.
كنتُ أسبح وحيداً ذات يوم، وكانت الشمس ساطعةً قويةً. إقتربت مني فتاة قالت إنها ( إيفا )، طالبة تدرس الرياضيات في جامعة موسكو، وإنها جاءت من هنغاريا. أهلاً وسهلاً. ماذا تقترحين يا ( إيفا ) ؟ قالت تعالَ نتبارى سباحةً في عمق البحر. مفاجأة غريبة ! فتاة هنغارية جميلة الوجه، لم تتجاوز العشرين من عمرها تعرض عليَّ التحدّي سباحةً. من يرفض مثل هذا التحدي ؟ لمَ تهوى هذه الصبية الهنغارية العوم في عرض البحار وليس في بلدها إلاّ البحيرات وأكبرها بحيرة ( بالاتون ) الواسعة والضحلة المياه ؟ لا أدري. قلت لها هيّا، إبدأي مشوارك أنتِ وسأكون التالي. كنتُ واثقاً من أني سألحق بها ثم سأخلّفها ورائي وسأربح الرهان. كانت جولاتنا تتابع سِجالاً، تسبقني مرةً وتتخلف عني مرّات. كنت سعيداً بهذه النتائج.كانت سبّاحة قويةً ماهرة تجيد أسلوب الفراشة  
( بترفلاي ) في سباحتها فكانت تشق ماء البحر شقّاً بذراعيها وكتفيها القويتين وبفورة شبابها وعشقها لماء البحر. من جهتي ما كنتُ  أعرف إلاّ ما تعلّمتُ في الصِغر من السباحة في نهر الفرات على الصدر وبالذراعين فوق سطح الماء، طريقة الزحف ( كرول )… كما يسميها السبّاحون. أغرى البحرُ كلينا. وأغرى النصر المتقّلب كلينا فأمعنّا في فج مياه البحر عميقاً حتى قد غاب عن ناظرينا ما كان على الساحل من بشر وموجودات. لم نعدْ نرى الساحل. كنت أراها مرةًّ أمامي تسبح برشاقة وسرعة الدلفين. وحين ينالها التعب تتوقف لتستريح قليلاً قبل أن تعاود ملاحقتي ثم إجتيازي والنصر يرسم على ملامح وجهها الجميل شتى علامات البهجة والمسرّة. تغلّبتْ على رجل أكبر منها سنّاً وأعلى قامةً جاء من الشرق يقبل تحديها. تناوبنا الكر والفر عشرات المرات فاقدين الإحساس بالزمن أو بما يمكن أن يحصل لنا من مفاجآت مثيرة قد تحمل لنا أو لأي واحد منا شيئاً من الخطر. البحر يُغري والسباحة في مائه الدافيء شديدة الإغراء. فكثافة ماء البحر العالية بسبب كثرة ما فيه من أملاح تجعل جسد السابح خفيفاً يطفو بيسرٍ فوق سطحه. ثمَّ إنَّ التحدي أو قبول التحدي أمران مغريان. وثمّةَ حواء بيني وبين البحر. ( إيفا ) تعني بلغات تلك البلدان ( حواء ). أغرت أُمنا حواء أبانا آدم فأسقطته من عالي جنات الخُلد، فإلى أين سأسقط مع هذه ( الحواء ) سوى إلى قاع البحر الأسود ؟ إغراء… الشجرة المحرّمة إغراء. في أمرِ تحريمها حضٌّ وإغراء على إتيانها. وفي البحر تحدٍ لي وإغراء كبير لحواء الهنغارية. مكتوب على ( آدم ) أن يقع في حبائل إغراءات ( حواء ). ولا فرقَ بين حواء وحوّاء. كلتاهما من ضلع آدم. في اللحظة التي حانت مني فيها إلتفاتة قصيرة نحو الساحل كيما أرى أين نحن من عالم الأحياء المنبثين هناك أحسست بتشنّجٍ قوي أصاب ساقي اليسرى من أعلى الفخذ حتى أصابع القدم التي إنكمشتْ وإلتوت بشكل حاد سبب لي ألماً لا يُطاق. توقّفت عن السباحة. إقترحت الرجوع إلى الساحل. تفاقمت الحالة سريعاً. أُصِبت بشلل تام.لم أعدْ قادراً على مواصلة السباحة والساحل عني جدَّ بعيد. كانت قوة خرافية في جبروتها تشدّني من ساقي إلى إعماق البحر. أدركت صاحبتي خطورة حالتي وصعوبة ما أنا فيه من عجزٍ وإلتباس فعرضتْ أن تسحبني إلى الساحل بأحد كتفيها. شكرتها وقد إستسلمتُ للموت غَرَقاً في ماء بحر كما غرقت أختي ( عدوية ) في ماء بئر. شكرتها ورجوتها أنْ تتركني لأقداري وأن تعود إلى الساحل وحيدةً. قلت لها أُتركيني… فسأغرق لا محالة. لم يبرحْ عينيَّ في تلكم اللحظات الحرجة وأنا بين الموت والحياة مشهد وداع أهلي في دمشق وما قالته أختي محذرّةً من البحر ( دير بالك من البحر ). هل ما أنا فيه الآن هو واقع وترجمة لنص نبوءتها إذ حذرَتني من السباحة في البحر الأسود ؟ هل كانت تتوقع ما سيحدث لي بعد لقائنا وإفتراقنا في بيروت ودمشق ؟ كانت أمي في العادة من يعرض أمامي مثل هذه المحاذير لا أختي. ما سبب هذا الإنقلاب ؟ لا أدري. كل ما أدريه أني وجهاً لوجه مع الموت غرقاً. حين قلت ل ( إيفا ) أتركيني فسأغرق لا محالة، إتقدت عيناها الساحرتان بشعلة غريبة لم أستطع تفسيرها وأنا معلّق بين الموت والحياة. ثم قالت بتصميم أكثر غرابةً من إتقاد النار في عينيها : هيا، تعلّق بكتفي، إمّا أنْ نصل الساحل أحياءً معاً أو أن نغرقَ في البحرِ معاً. لم أجد في عيوني ماءً كافياً للدموع. شقيقة تحذرني من الغرق في ماء البحر، وفتاة غريبة تعرّفت عليها قبل ساعتين تحاول إنقاذي من موت محقق أو أن تموت معي ولا تتركني أصارع الموت غرقاً. كانت تشعر بالمسؤولية عما حدث لي إذ كانت هي صاحبة فكرة المباراة الطويلة في عرض البحر. ما كانت تتوقع ما سيحصل لي ولا أنا كنتُ أتوقع ذلك. لم يحدث لي شيء شبيه بهذا فيما مضى من حياتي أبداً. إنقلبت ( حواء ) الإغراء والسقوط إلى ( حواء )  الإنقاذ. حواء الأم والأخت والصديق والرفيق في بيروت، وحوّاء الآسية والمنقذة في عرض البحر الأسود مقابل جبال القوقاس. رفضتُ فكرة ( إيفا )، وإلاّ فلماذا تموت معي هذه الفتاة الشجاعة الرائعة التي جاءت من بلدها هنغاريا أو المجر للدراسة في موسكو ؟ أهلها ووطنها ينتظرون منها أن تُنهي دراستها وأن تعود إليهم معززةً مُكرّمةً لتشغلَ وظيفتها ومكانها الطبيعي في مجتمعها وبلدها. في خضم تلك اللحظات الحرجة وأنا أصارع الموت شاهدت قارباً بعيداً عنا فطلبت من ( إيفا ) أنْ تصرخَ بأعلى صوتها طالبةً النجدة. أخذت تصرخ وتصرخ أعلى فأعلى ولا من سامع أو مُجيب. كررت المحاولات واضعةً كفيها حول طرفي فمها كيما تتجمع ذبذبات الموجات الصوتية فيشتد الصوت لعل البعيد ينتبه أو يسمع بعضاً من صُراخها. إنتبه أخيراً من كان في القارب إلى إشارات يديها التي كانت تلّوح بهما في الفضاء  قبل أن يسمعوا صراخها. أسرع من كان في القارب إلينا ضاربين المجاديف بماء البحر بكل ما في طاقتهم من قوة. دنا القارب منا فزال شبح الموت غرقاً عني. رأيت فيه شابين من السودان فأسرعا بسحبي إلى جوف القارب وقاما بتدليك عضلات ساقي المتصلّبة كقطعة فولاذ. أخذاني إلى الساحل بينما أصرّت ( إيفا ) على البقاء لوحدها في البحر على أنْ تواصل السباحة نحو الساحل لاحقاً. كانت شجاعة وواثقة من نفسها ومن قدرات جسدها الفتي المتناسق الجميل.كما كانت وفيةً للبحر وعاشقة حدَّ الوله لمائه وللسباحة الطويلة فيه. كانت تمارس السباحة الطويلة حتى في الليل. حيناً مع بعض زملائها من الطلبة المجريين وأكثر الأحيان مع غيرهم من الطلبة الأجانب. بعد هذه الحادثة الأليمة توقفتُ عن السباحة الطويلة وحيداً. إتبعت أسلوباً آخر.كنت أستأجر قارباً وحين أنزل منه للسباحة أظل أدور حوله وفي فلكه ليس بعيداً عنه. لا سباحة طويلة دون قارب وطوق نجاة.  

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق