مُقدّمة
مِن حقِّ كُلِّ كنيسةٍ وكُلّ أمة وملّة وجالية أن تزهو وتتباهى وتفاخر بمبدعيها، ولدى كنيستنا الكلدانية العريقة الضاربة بالقدم، اسماء لامعة يفتخر بها مسيحو العراق والمهجر والعالم على مرّ العصور.
هو رمزٌ مِن رموز كنيسة المسيح عامة وكنيستنا الكلدانيّة خاصّة، عُهد بصراحتهِ وحكمته وحنكته في الإدارة، لا سيّما بالأزمات والمواقف الصعبة وفي طرح أرائه الصائبة ونصائحه البنّاءة، وإيمانه العميق بالقضايا التي يدافع عنها لخير الكنيسة والمؤمنين ولمصلحة مَن يمثلهم، أكانوا مِن بسطاء النّاس وكُلّ مَن لم ينل ما يستحق مِن حقّ واستحقاق، فهو مِن أصحاب المبادئ الراسخة. لهُ أسلوبه الدبولوماسي اللبق المُقنع، وهذا سرّ محبّة النّاس لهُ، بعد أن تعمذوا ببركته.
قرأتُ لهُ ووقعَ أسمه على مسامعي مُنذ أيام دراستي في كُلّيّة بابل الحبريّة، كما عرفتُ عن شخصهِ الكريم مِن أستاذي الراحل الأب بطرس حدّاد إبّان اشتغالي كتب عن المعهد الكهنوتي والدار البطريركية. وإن نسيتُ فلا أنسى لقائي الأوّل به، إذ محبتي الكبيرة لهُ بدأت عندما رأيته يسير مع المطران أنطوان أودو الجزيل الاحترام مطران سورية وحلب، والمطران ( البطريرك) عمّانوئيل دلّي – رحمه الله- في أحد أروقة المعهد الكهنوتي ببغداد عام 2003؛ حيث انعقد السينودس الكلداني هُنالكَ وقتذاكَ، فاعطيتهُ نسخة من كتابي ( على خُطى يسوع / نبذة عن تاريخ المعهد الكهنوتي البطريركي في الموصل وبغداد)، أخذهُ، تطلع فيه ثُمّ ربت على كتفي مُشجعًا.
بعد بضعة أيامٍ رأني جالسًا في مكتبة المعهد الخاوي، تركَ المطارنة الذين كانوا معهُ، قصد غرفته وجاءني بالكتاب، عليه بعض التصحيحات بخطِّ يده الجميل قائلاً: " عيني عفية عليك، خوش شغل، اقرأ ملاحظاتي وأعد طباعته... منو علمكَ تكتب... أستمر". ومضى.
وأسجل هُنا هذه الحادثة؛ فلكلِّ ساقطةٍ لاقطة : قبيل رسامتي الكهنوتية مع الأبوين الفاضلين: ( مُمتاز عيسى وأيهاب نافع)، قصدَ معهدنا في الدورة، لغرض إفتتاح البناية – الملحق الجديد الذي ساهم ببنائه مشكورًا السّيّد أسعد كلشو، فكان سيّدنا إبراهيم واقفًا مع الأب ( المطران ) باسليوس يلدو السّامي الإحترام المعاون البطريركي الحالي، والخوراسقف ( المطران المتقاعد) عمّانوئيل شليطا السامي الإحترام، الذي تبرع بثمن حُلة التقديس للكهنة للمقبلين على الرسامة (بدلة المذبح)، ابلغ المطران إبراهيم الأب يلدو بأنّ ( الكأس والبيلاس) هدية منه لنا، فقد عُهد الرجل بسخائه وعطائه.
إبّان خدمتي ودراستي في هولندا سعى إلى تعيني في مشيغان وكندا، ولكن استقر الحال في سيدني بتعيين رسمي مِن البطريرك دلّي ( اكتوبر 2010) وليتني لم أذهب.
مُنذُ وطأت قدمي أبرشية مار بطرس الكلدانية في سان دييغو، وجدتهُ من أشد الداعمين والمشجعين لي على الكتابة والخدمة الكهنوتية. صليتُ بجانبه، استمعت إلى مواعظه، جلست بجواره تناولنا الاطعمة معًا وتبادلنا أطراف الحديث، وقد أُتيح لي أن التقي الكثير ممّن خدمهم وقصدوهُ وممّن كانوا يلجؤؤن إليه لغرض المُساعدة الروحيّة والمعنوية أو المادية، لقد وجدتهُ هو هو مع الجميع، مِن أجل الجميع، يتقن الكلمات المناسبة والتعابير اللائقة لا يتوانى عن المساعدة .
رغم خدماته الجليلة الطويلة ودوره الريادي في الكنيسة وقلمه السيال، قُلّما تصدى قلمًا للكتابة عن المطران إبراهيم إبراهم، وهذا ما حزَّ في قلبي.
مَن هو المطران إبراهيم نعمو إبراهيم
مِن مواليد تكليف 10/10/ 1937، درسَ الفلسفة في معهدنا الكهنوتي ( معهد شمعون الصفا الكهنوتي العريق ) في الموصل، ثُمّ تابع الدراسة في معهد ( سان سوليس) في فرنسا حتَّى عام 1962. رُسم كاهنًا في بغداد 1962، خدمَ في المعهد الكهنوتي لبضع سنواتٍ وتحديدًا ( 1964- 1968) في بغداد/ الدورة ميكانيك، بعد أن انتقل المعهد مِن الموصل إلى بيوت في حي أسيا لبضع سنوات، ومن ثُم بناية في حي الميكانيك( الدورة – بغداد)، كمسؤولٍ عن التنشئة للتّلاميذ، وفي عام 1966 التحق معهُ العلاّمة الراحل الأب بطرس حدّاد (1937-2010) عليه كُلّ المراحم.
عام 1968 تعيّن معاونًا لخوري كنيسة مار يوسف في بغداد/ الكرادة داخل، الخوري قرياقوس حكيم رحمه الله.
ولما قررَ البطريرك بولس شيخو نقل مقر البطريركيّة إلى دير القدّيسة ترازيا في منطقة السِنك، بعد أن وهبهُ الآباء الكرمليون للبطريركيّة الكلدانيّة سنة 1966، إذ انتقل الآباء الكرمليون الأفاضل إلى ديرهم الجديد-يومذاك- في كرادة مريم، خصص غبطته رحمه الله صالة كبيرة الحجم في الطابق الأعلى لتكونَ مكتبةً ومكانًا لارشيف البطريركية الكلدانيّة، الذي تضررَّ جزء غير قليل منهُ بسبب النقل وكثرة التحويلات ودودة الأرضة التي تركت آثارها على الأوراق والمخطوطات الثمينة.
صيف عام 1968، سمحَ غبطته لكاهنين أن يدخلا قُدس أقداس البطريركية( الأرشيف)، ويعملا سويةً وهما الأب ( المطران إبراهيم إبراهيم) أمد الله بعمرهِ والأب بطرس حدّاد – رحمه الله وطيب ثراه- للاهتمام بأمور الأرشيف النفيس، وكلّفهما بترتيب المكتبة ومخطوطاتها، وبعد فترة ليست بالطويلة انسحبَ سيدنا إبراهيم مِن العمل بسبب المشاغل، فاستمر الأب حدّاد بالعمل إلى سنة 1974، بعد أن أوعز سيدنا شيخو إلى الكفِّ عن العمل.
عام 1970 أُُنتدبَ لفتح معهدًا كهنوتيًا ( القسم التحضيري) في تل كيف، وفي عام 1972 أُرسل مِن قبل الرؤساء الكنسيين إلى روما للتخصص في اللاهوت، هُناكَ نالَ الدكتوراه وعادَ إلى بغداد في عام 1975.
عام 1978 خدمَ ككاهنٍ في سان ديغو بكالفورنيا/ أمريكا، ثُم في لوس أنجلوس وفتح عام 1979 -1980 خورنة جديدة هُنالكَ.
بسبب حُسن سيرته وإدارته الحكيمة وشعبيته الواسعة بين المؤمنين وخدماته الجليلة، رسمَ أسقفًا للكلدان في أمريكا في كانون الثاني 1982 بوضع يد مُثلث الرحمات البطريرك بولس شيخو ، وهو أوّل مطران كلداني في أمريكا لأبرشية مار توما الرسول.
أفتتح الكثير مِن الكنائس والخورنات والأرساليات وأسس معهدًا كهنوتيًا، وحافظ على وحدة المؤمنين. لقد عرف بغيرته الكهنوتية والأسقفيّة، وولعه بالقراءة والكتابة وخدمته الرعوية التي يشيد بها الخصم قبل المُحبّ، المجحف قبل المنصف. مِن أهم اشتغالته: تعريبه رسائل البطريرك ( مار يوسف السّادس أودو) بطريرك الكلدان، بالتعاون مع الشّمّاس خيري فوميّة.
يجيد اللغات: العربيّة، الأراميّة- الكلدانية، الإنجليزية، الفرنسية.
عُرف بِحُسَنِ خطه بالعربيّة والاراميّة. كما ذاع صيته في إلقاء المواعظ وتقديم الخدمات الروحيّة وعلاقته الأبويّة مع معظم الكهنة، إن لم يكن جميعهم، فهو الأب الروحي والمرشد للكثيرين.
وقد يعرف العارفون كيفَ لهُ وفرة مِن العطاء الكهنوتي والإنساني، أما بسمته تتّسع للجميع ومحبته تحتضن الجميع أيضًا، تشجيعه كشمسٍ لا تعرف الغروب، يقرن الأقوال بالأعمال، وما أجمل الحوارات التي تدور بحضرته. يتمتع بدائرة معارف واسعه، أهلتهُ ليكونَ شخصية مرموقة ومؤثرة، ذو رأيٍّ محترم وكلمة مسموعة في الغالب ومعمول بها، هو والحقّ يقال كالفنارِ، تهتدي به البواخر وهي تمخر عُباب البحار. يتميز بالجرأة في قول الحقّ والصراحة في إبداء الرأي والوضوح في المواقف، والكتمان في المساعدة، والطيبة في السلوك. شفاف الكلمة، حسن المزاج، متفائل، ومتحمس للغاية، لا يجرح أحدًا ولو قيد إنملة، لم يبحث طيلة خدمته عن الاضواء ولم يلهث وراء المناصب، رجل الله ناصع الطيبة، من طينة الكبار.
تقاعد عام 2013، وفسح المجال لخلفه المطران فرنسيس قلابات السّامي الإحترام، لمواصلة الخدمة، في عام 2025 افتتحت مكتبة في ديترويت باسمه تكريمًا لهُ، وهذا إنجاز يحسب للذين أقدموا على هذا التكريم المُميّز ( البادرة النادرة)، إذ نحن اعتدنا أن نُكرم مبدعينا بعد رحيلهم إلى دار البقاء.
ربّما أختلف البعض حول أرائه، بيدَ أنَّ الأغلبية أتفقوا على قيمته الكهنوتية وقامته الإنسانية والفكريّة، مثمنين حنكته وحكمته وكياسته في أحلك المواقف التي مرّت بها الكنيسة وشعبها، قرّبَ الكثيرين مِن الربّ والكهنوت...
هذا هو المطران إبراهيم، الذي خدمَ وأحبّ الناس فبادلوه حُبًّا أكبر، إذ خدم النّاس والكنيسة بصمت وتواضع وخفاء ( بهدوء ونكران ذات) دونَ ضجيجٍ وجعجعة وتكابر.
خُلاصة القول:
قد لاحظت خلال زيارتي الأخيرة لهُ وجلوسي معه كيفَ أنَّ أتعاب الحياة بل الكهنوت طالته، تظهر على وجهه ندبات الزمن وفي عينيه وأحاديثه الثرية دلالات العبقرية، سلوكياته لا تخلو مِن مسحة كبرياء، قريب مِن البسطاء وعامة النّاس، لا يرد سائلاً، لا يزمر ولا يطبل أن أسدى لكَ معروفًا، هكذا علّمني، لهُ نوادر وخصال حميدة يعرفها المقربون عليه.
لم ولن أكسر لهُ كلمة أو أرد لهُ طلبًا، احترامًا وتقديرًا ومحبّة لشخصه الجليل. أتمنى أن أكون قد أوفيت القليل مِن الكثير الذي إليه عليَّ وللكنيسة.
هذه شهادة صادقة أقولها للقرّاء، سيبقى سيّدنا إبراهيم في وجدان الكنيسة وقمرًا مضيئًا ونجمًا لامعًا في سماء أمريكا،
ساكتفي بهذا القدر، فهو فاتحة كتابي الجديد ( نوارس مُغتربة) إن قيض لي الله طبعه، فمهما أمطرت سحائب القلم وعِبّر البيان، ما هي إلا صفحات، قد لا تفي حقّ مطراننا الجليل.
خاتمة:
ستون عامًا مضت ولم تزل نخلة باسقةً كالعراق في أمريكا
والحقّ:
إن لم يكن الإنسان نخلةً لن يكونَ رطبًا وتمرًا...
وإنّ لم يكن شعلةً عطاء لن يكون نورًا وحُبًّا...
وإن لن يكن الإنسان ذا أثرٍ لن يكون خالدًا...
وهذه سمات مَن نحن بصدده الآن، إذ بالمختصر، لقد نقش سيّدنا إبراهيم أسمه بالحجرِ والبشرِ.
أطبعُ قبلة محبّة على يدهِ كبركةٍ أبويّة وعلى جبينه عرفانًا لكُلِّ خدماته، هو يعلم جيدًا لهُ في قلبي وصلاتي وفي وجدان كُلّ من عرفه منزلة كبيرة، أمد الله بحياته ونسج لهُ بيد محبته الأبويّة ثوب صحة لا يبلى. اللَّهمَّ آمين.
الأب يوسف جزراوي




0 comments:
إرسال تعليق