مقدمة : الكاتبُ والأديبُ الأستاذ سليم نفاع من سكان مدينة شفاعمرو، حاصلٌ على شهادةِ الماجستير في التربيةِ من كلية أورانيم وموضوع رسالة الماجستير عن انعكاس القيم في قصص الأطفال. وقد اصدر عشرات القصص للأطفال والفتيان مترعة بالجمال والخيال والإمتاع والإبداع . ولهُ الكثيرُ من المقالاتِ والدراساِت القيِّمةِ في التربية وأدب الأطفالِ ممَّا ساهمَ في إثراءِ المكتبةِ العربيةِ وإسعادِ الأطفال والكبار أيضا بالقصِص الجميلة ، التي توَّجَتْ رحلته الطويلة والمثمرة من العطاءِ والإنتاج الغزير الهادف في مجالِ أدب الأطفال . وقد شاركتْ معظمُ قصصِ الأستاذ سليم نفاع في مسيرةِ الكتاب في المدارس العربية ، وشاركت كتاباتهُ ومؤلفاتهُ أيضا في معارض محليةٍ وعالميَّة للكتاب . عملَ الأستاذُ سليم نفاع سكرتيرا للجنة متابعة التعليمِ العربي لمدةِ عشر سنوات، وهذا أعطاهُ وأكسَبهُ المزيدَ من المعرفة في الأدب واللغة العربية والثقافة بشكل شامل. وأدار فرع الجامعةِ المفتوحة في مدينة شفاعمرو ومنطقة الشمال لأكثر من عشر سنوات . حاز على شخصيةِ العام الثقافية وتمَّ تكريمُهُ في احتفالِ تكريم الشخصيَّات الشفاعمريّة عام 2022 . وأقام مشروع "أجمل اللغات" في الكتابةِ الإبداعيّة ، وعمل من أجل تقدم ورقي مجتمعه . وقد أهداني مجموعةً من كتبهِ التي ألّفها للأطفال ويُسعدُني جدا أن اكتبَ عن بعضٍ من أعمالِهِ وابداعاتِهِ الأدبيَّة.
سأتناولُ في هذه المقالةِ قصةً له للأطفالِ بعنوان " ( لبلب وعنتر ) من خلال الاستعراض والتحليل.
تقعُ هذه القصَّة في 32 صفحة من الحجم الكبير- تأليف الكاتب الأستاذ سليم نفاع من مدينة شفاعمرو ، إصدار : أ . دار الهدى ع . زحالقة للطباعة والنشر - 2018 ، رسومات الفنانة التشكيلية منار نعيرات .
كُتِبتْ هذا القصة على ألسنةِ الحيواناتِ ( الفأر لبلب والقط عنتر).. تتحدثُ بشكل متسلسلٍ وبأسلوب حميلٍ وشائقٍ عن الفأر والقط اللذين كانا يعيشان في منزل فلاح نشيط ومكافح يعملُ بشكل دؤوب لإعالةِ عائلتهِ. وكانت أرضُ هذا الفلاح خصبةً وكل سنة تأتي بالبركةِ وتطفحُ بالخيرِ والمحاصيل الوافرةِ من الحبوب والثمار المتراكمة والشهيّة. وكان الفأرُ لبلب ( الاسم الذي أطلقهُ عليه كاتبُ القصَّة) مُشاغبًا وسلبيًّا بطبيعتهِ وفطرتِهِ ودائما يتجوَّلُ في جميع زوايا منزل الفلاح ويُخرِّبُ ويَعبثُ في محتوياتهِ ويتلفُ كلَّ شيء يصادفهُ ويراهُ أمامَه، فيمزّقُ الأكياسَ المُمتلئةَ بالحبوبِ والمحاصيل المتنوعة التي يتعبُ ويشقى الفلاحُ في زرعها وحصدها وجمعها. وكان هذا الفلاحُ النشيط يُطلقُ هذه الجملة دائما : ( من جدَّّ وجد ومن زرع حصد ) .
وكان يعيشُ في منزلِ هذا الفلاح المكافح قطٌّ اسمهُ عنتر أبيض اللون سمين ومدلَّل يعتني به الفلاحُ جيدا فيعاملهُ أحسنَ معاملةٍ لأنهُ حارسٌ امين . وحاولَ هذا القط المحبوب والمُقرَّب والأثير من أصحاب المنزل عدَّةَ مرات الذهاب إلى جحر الفأر لكي يصطادَه ولكنه لم ينجحْ في هذه المهمَّةِ لأنَّ لبلبَ فأرٌ ذكيٌّ جدًّا وصاحبُ حيلةٍ ويعرفُ جيدا كيف يتخلّصَ من القطِّ عنتر وينجو منه بسهولة.. فكان هذا الفأرُ المشاغبُ يأكلُ ثمارَ الموز والبطاطا ويرمي قشورَها في طريقِ عنتر لكي يتزحلقَ ولا يستطيع اللحاقَ والإمساكَ بهِ فيقع القطُّ مرات عديدة على وجههِ غاضبا. وعند المساء كان عنتر ينامُ قريبا من الفلاح على سجَّادةٍ وفيرةٍ ناعمةٍ مفروشة في أرض الغرفةِ. وكانت فرصة مناسبة في هذا الوقت للفأر لبلب لكي يتجوَّلَ ويسرح ويمرحَ في جميع وزوايا وأنحاءِ المنزل ويأكل ويلتهمَ كلَّ ما يصادفهُ ويراهُ أمامه . وكان في بعض الأحيان يُمزّقُ الملابسَ ويفسدُ محاصيلَ الفلاح والمونة التي يحزنها ويتركُ وراءَه الكثيرَ من الأضرارِ والخرابِ
وعندما كان القط عنتر يسمعُ ضجيجَ وقرقعةَ الأدواتِ والأواني المنزليَّة التي يُحرّكها لبلب أثناءَ صولاتهِ وجولاتهِ التخريبيّة في أنحاءِ المنزل يغضب وَيُحاول أن يجري وراءَه لكي يمسكَ به، ولكن لبلب يتحرَّكُ بخفيَّة مثل كلِّ مرة ويلقي بالطناجر والأواني المنزليةِ والصحونِ والأكياسِ على رأسِ القط عنتر، وينجو من القطِّ عنتر ويختبئُ في جحرهِ.. ويرجعُ القط عنتر إلى صاحبهِ الفلاح صفرَ اليدين وبخفيِّ حنين كما يقولُ المثل القديم وعليه ملامح الحزنِ والألم والخيبة، فيلاطفهُ الفلاحُ ويشجِّعهُ ويَدعُمهُ معنويَّا وَيُقوِّي من معنوياتِه المُنهارة .
وعاشت أيضا بجانب هذا المنزل الذي يسكن فيه الفلاحُ وأسرتهُ والقط عنترعنزةٌ وادعةٌ ولطيفة اسمها "سمُّورة "، وكانت سخيّةً وتعطي أصحابَ البيت كلَّ يوم كميات من الحليب وافرة ولذيذة فيصنعون من هذا الحليب اللبنَ والجبنة والبة . وحدث وفي أحد الأيام إذ كانت زوجةُ الفلاح منهمكةً ومنشغلةً في حلبِ العنزة سَمُّورة فيغافلها الفأرُ لبلب ويتقدَّمُ بشكل خفيٍّ
وبهدوءٍ ويبدأ يشربُ من إناءِ الحليب الموضوع على الطاولة فينسكب كلُّ الحليب على الأرض .فتبدأ المرأةُ زوجةُ الفلاح تصرخ وتصيح بصوت عال : يا ويلي يا ويلي ( كما جاء في القصَّة ) فيسمعُ صوتها القط عنتر ويسرعُ لنجدتِها وجرى وراءَ الفأر لبلب لكي يعاقبه على فعلته وجريرتهِ النكراء فيقفز لبلب إلى أعلى خزائن الملابس.. وأطلَّ لبلب من أعلى الحزانة ثمَّ بدأ لبلب وعنتر يتجادلان بصوتٍ عالٍ وبصرخاتٍ على بعض وبعنف . ووبَّخهُ القط عنتر على فعلته وسكبه لإناءِ الحليب على الطاولة وأنه أزعجَ وأقلق راحةَ جميع أصحاب البيت، وطلبَ منه أن يخرجَ ويغرُبَ عن وجوههم ويتركهم .. فأجابهُ لبلب وقال له: إنكَ قطٌّ مُدلَّل يا عنتر تحصلُ على كلِّ شيءٍ تُريدُه من أصحاب المنزل وأمَّا الفأر لبلب فلا أحد يُحبٌّهُ وأصحابُ المنزل يعتبرونهُ غريبا ودخيلا.. فردَّ عليه القطُّ عنتر قائلا : إنَّكَ تُثيرُ البلبلةَ وتنشرُ الفسادَ والخرابَ وتفسدُ وتتلفُ محاصيلَ الفلاح وتثقبَ الملابسَ الثمينة . فقالَ وأكّدَ لهُ لبلب: إنهُ لا يقصدُ تمزيق الملابس ولا إفساد وإتلاف المحاصيل، بل هو يريدُ لقمة مُقمَّرة على الأقل يسدُّ رمقهُ ويُطفئُ بها جوعَهُ . فجاوبهُ القط عندها بلهجة ونبرةٍ فيها نوع من الترحيب: إسمعْ يا لبلب أخي القط مرمر لقد اصطادَ الكثيرَ من أفرادِ عائلتك الفئران وأما أنا فأريدُ أن أقيمَ معاهدةً دائمةً وسلاما ومحبَّة وتفاهما بيني وبينك، فجاوبه الفأرُ لبلب: وأنا أيضا بالمثل أحبُّ السلامَ ولا أريدُ أن تكونَ هناكَ خلافاتٌ وعداوةٌ بيننا. وسألَ عنتر باستغراب: هل بالإمكان أن يكون سلامٌ دائمٌ بين جميع القطط والفئران ؟؟!!. فيجيبهُ لبلب: نعم بالإمكان تحقيق هذا الأمر إذا توفَّرَ الطعامُ للجميع وعندما تكونُ جميعُ الأطرافِ في شبع ولا تُعاني فئة ومجموعة ما من القِلّةِ والفقر ِوالجوع ..وإذا توفّرَ الطعامُ للجميع فعندها بالتأكيد سيحلُّ ويعمُّ السلام الحقيقي الشامل. فأجابهُ عنتر: صدقت يا لبلب وسأترك لكَ قليلا من الطعام الذي للفلاح لكي تأكلَ منه ما تريد وحسب حاجتك . فأكّدَ له لبلب بعد سماع هذا الكلام من عنتر قائلا: من الآن فصاعدا ومنذ هذه اللحظة لن أزعجَ أصحابَ هذه الدار الساكنين فيها ولن اقومَ بأيِّ عملٍ تخريبيٍّ يزعجُهم ولن أمزِّقَ ثيابَهم ولا أمسّ طعامهم .
وتنتهي القصَّةُ هنا هذه النهاية شبه المفتوحة على غرار الكثير من قصص الأطفال الأجنبية والعالميَّة .
تحليلُ القصّة: هذه القصةُ كُتِبَتْ على ألسنةِ الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب) وتُستَهَلُّ بأسلوبٍ سرديّ وبعدها ينتقلُ الكاتبُ إلى الحوار الدرامي والحديثِ المتبادل ( ديالوج ) بين أبطال القصَّة ( الفأر والقط) .
لقد أدخلَ الكاتبُ شخصيَّات أخرى في القصة، مثل: الفلاح وزوجته والعنزة "سمُّورة" وبشكلٍ مُقتضب ولم يدخلهما في أيِّ حوارٍ أو حديثٍ مباشر، ومعظمُ أحداث القصَّة تدورُ بين القطِّ والفأر.
هذه القصّةُ ليست طويلةً وكان بإمكان الكاتبِ أن يتوسعَ أكثرَ في السناريو وفي أحداثها ومشاهدها الدراميّة، وأن يضيفَ إليها بعضَ الشخصياتِ الجديدة . هو تحدَّثَ عن الفلاحِ صاحب البيت وزوجتهِ بشكلٍ سريع ولكنه لم يدخلهما في الحوارِ ومجرى الاحداثِ - كما ذكرَ أعلاه -، ولم يذكرْ إطلاقا أولادَ الفلاح وزوجتهِ، ولم يضعهمْ في القصةِ، ولم يُدخلْ شخصيات أخرى أيضا مثل: الأصدقاء والأقارب والجيران . ومن المحتملِ أنهُ فعل هذا الشيء تفاديًا من الإطالةِ ولمنع حدوثِ المللِ لدى القارئِ . وقصصُ الأطفال من المُفضَّلِ أن تكونَ قصيرةً نوعا ما حتى لا تُرهق ذهنَ الطفلِ الصغير، ولكي يستطيعَ أن يستوعبَ مجرى أحداثِها وجميع تفاصيلها، وخاصة إذا كُتِبَتْ وَنُسِجَتْ بلغةٍ مُبسَّطةٍ ومفهومة وغير مُمِلّة .
وهذه القصَّةُ ظريفة ومُمتعة وناجحة بكلِّ معنى الكلمة وتحوي جميعَ الأسس والعناصر الهامة التي يجب ان تتوفَّرَ في كلِّ قصَّة تكتب للأطفال، وخاصّة لجيل الطفولة المبكر- سواء كانت القصَّةُ طويلة أو قصيرة.. سردية أو حواريَّة ( ديالوج ) أو مزيح بين السرد والحوار .
تضمُّ وتحوي هذه القصَّة عناصرَ عديدة وهامَّة، مثل:
1 - العنصرُ الفانتازي الخيالي: وهو العنصرُالأساسي والهام للأطفال وبدونه تكون القصَّة ناقصةً ومبتورة. وهذه القصة يُترعُها ويغمرُها الطابعُ الفانتازي من البداية للنهايةِ، وتدورُ معظمُ أحداثِها بين القط والفأر، ويبرز هذا الشيءُ بوضوح في الحوار المُطوَّل الذي يجري بينهما في الفصول الأخيرة منها . والطفلُ الصغير بطبيعتهِ يُحبُّ الحيوانات وكلَّ حديث وموضوع يتعلّقُ بعالم الحيوان، وخاصة الحيوانات الأليفة والداجنة كالقط والكلب .
2 - عنصرُ التشويق والإثارة : يظهرُ هذا في جميع صفحاتِ وفصول القصَّة، والقصة من بدايتها للنهاية طريفة ومسليّة تشدُّ الطفل وتجذبهُ للاستماع إليها أو لقراءتها دونما توقّف .
3 - العنصرُ الفنِّي والجمالي : يظهرُ ويبرزُ في جميع صفحات القصة.
4 -الجانبُ التَّرفيهي: وهو أكثر جانب يهتمُّ به معظمُ الذين يكتبون ويؤلفون قصصًا للأطفال . والقصة بأكملها هي ترفيهية ومسليَّة وممتعة للطفل الصغير وللكبير أيضا، وتذكرنا بأفلام ومسلسلات البيكيماوس ( الأفلام الكارتونيَّة) التي يحبُّ مشاهدتها الصغار والكبار أيضا .
5 - البعدُ الإنساني والاجتماعي: نلمسُ هذا الجانب على شكل توريةٍ في الصفحات الأخيرة من القصَّة .
6- موضوعُ المحبّةِ والسلام والتعايش السلمي مع الجميع وخاصة عندما يتحقق هذا الأمر مع الأطرافِ المتناقضة والمتخاصمة.... ...وهذا الجانبُ إنسانيٌّ من الدرجة الأولى، وقلائل من الكُتَّابِ والادباءِ المحليين الذين كتبوا قصصا للأطفال قد تطرقوا إليه . وتناولَ كاتبُنا هذا الموضوع الهام عن طريقِ الحوار بين الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب ).
وهذه القصَّة تذكّرنا بكتاب "كليلة ودمنة" الذي ألِّفَ على ألسنةِ الحيواناتِ وترجَمَهُ إلى اللغةِ العربيَّة مع بعض الإضافاتِ والتعديلات الكاتبُ والأبيبُ الفارسي الكبير "عبد الله بن المقفع " . وكان هدفُ ابنِ المقفع من تعريب وترجمةِ هذا الكتاب للعربيةِ من أجلِ انتقاد الوضع الاجتماعي والسياسي آنذاك، وانتقاد الخليفة العباسي بشكلٍ خاص عن طريق التَّورية وبشكل غر مباشر، وذلك من خلالِ قصصِ الكتاب التي تجري على ألسنة الحيوانات . ونجدُ طابع وفحوى قصَّةِ كاتِبنا القدير والمبدع الأستاذ سليم نفاع أيضا على هذا النجو تقريبا . ولقد ألّفَ قصَّتَهُ هذه للأطفال على لسانِ الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب ) ويرمزُ من خلالِ مجرى أحداث القصة، وخاصَّة في الأحداثِ والمشاهد الأخيرة منها، ومن خلال الحوار الطريف الذي يجري بين أبطال القصَّةِ وأهم المحاور فيها ( القط والفأر) إلى أهداف وأبعاد عديدةٍ، وأهمها : البعد الإنساني ثمّ البعد الاجتماعي والسياسي. فالفأر لبلب في هذه القصَّة يرمزُ ويشيرُ إلى عدّةِ أشياء ، مثلا : يرمز إلى الجهات والفئات الشرّيرة والمعاديَّة التي تريدُ أن تسطو وتُسيطرَ على أملاكِ وأراضي وحقوق الغير وَتنشُرَ الفوضى والفساد . ويرمز الفأرُ أيضا للدولِ المعتديةِ والاستعمارية التي تحاولُ أن تسيطرَ على الدولِ الأخرى الضعيفة عسكريًّا والغنيّة من ناحية الموارد الطبيعيّة، ولكي تنهبَ جميعَ خيراتها ومواردها ( البعد السياسي ونستطيع أن نقول أيضا: البُعد الاقتصادي – البيزنس). ويرمز الفأرُ أيضا ( مع أنهُ سلبيٌّ دائما ومثال للشرِّ والعداء ولنشر الفوضى والخراب ) إلى الإنسانِ أو الفئة والجهة الفقيرة والمسحوقة والمقموعة التي تُعاني من الجوع والحرمانِ، وتحاولُ بشتى الوسائل أن تحصلَ على لقمة العيش لكي تبقى على قيد الحياة -( البعد الإنساني والسياسي ).
أما الفلاحُ وزوجتهُ فيرمزون إلى الوطنِ والأرضِ وإلى أصحابِ الحقِّ الشرعي، وإلى الشعبِ الذي يعيشُ في أرضهِ ووطنهِ بأمنٍ بسلام وتحاولُ جهاتٌ خارجيَّة شرّيرة ومعادية أن تسطو وَتُسطرَ على أرضهِ وأملاكهِ بالقوَّةِ . وأما القط عنتر فيرمزُ إلى المواطنِ الصالح والإنسانِ الحُرِّ والأبيِّ والشجاع الذي يدافعُ عن أهله وشعبهِ، ويحاولُ أن يمنعَ كلَّ جهةٍ غريبةٍ ومعاديةٍ وشريرة أن تدخلَ إلى وطنه وتنشرَ الفسادَ والخراب. ونستطيعُ أن نقول وبكلَّ جدارةٍ : إن هذه القصة ( لبلب وعنتر) ناجحة ومتألقة من جميع المقاييس النقديَّةِ والذوقيّة، ويجب أن يقرأها ويستمعَ إليها كلُّ طفلٍ لأنها تُعلمهُ أشياءً وأمورا كثيرة جوهرية وهامة كالتفاهم والمحبّة والتعايش السلمي ..وأنهُ يجبُ أن يكونَ هناكَ حوارٌ منطقيٌّ وَبنَّاءٌ ومفاوضاتٌ بين الجهاتِ والفئاتِ والأطراف المتناقضةِ والمُتخاصمةِ لكي يصلَ الجميعُ إلى حلٍّ عادلٍ ومنطقيٍّ وينعم الجمعُ بعد ذلك بالهدوءِ والاستقرارِ والأمن والأمان . وتستحقُّ هذه القصَّةُ أن تكون في كل مكتبة وفي كل مدرسة وبيت وأن تُدرَّسَ للأطفال لجميعِ مراحل الطفولة.. وأن تُكتَبَ عنها الدراساتُ والمقالاتُ القيمة والمُوَسَّعةُ من قبلِ كبارِ الكُتَّاب والنقادِ: عربيًّا وعالميًّا. وهذه القصّةُ تذكّرُنا أيضا بقصصِ الأطفالِ العالمية لكبار الكتاب الأجانب والعالميين والتي تنتهي معظمُها نهاية مفتوحة أو شبه مفتوحة. ومعظمُ قصصِ الأطفال الأجنبية والعالمية تحوي كل العناصر والأمور الهامة، وتحملُ رسالة إنسانية واجتماعية وفكرية ومبدئية وليس فقط ترفيهيَّة ومن أجلِ التسلية وقتل الوقت والروتين والملل. وقصةُ كاتبنا أيضا نلمس فيها نفس الشيء وهي على نفس الحذو والمسار، وتحملُ نفسَ الأهداف والتطلعات السامية والمنطلق الإبداعي المميَّز ومن أجل خدمة الادب والفكر والإبداع الحقيقي.. بالإضافة أبعادٍ أخرى ربما قد تمَّ التطرُّقُ إليها
في قصص الأطفال الأجنبية كالبعد الوطني والسياسي ..وهذا الجانب موجود بشكل غير مباشر وعلى شكل تورية في قصة كاتبنا سليم نفاع ( لبلب وعنتر) .
وأريد ان أضيفَ : إنَّ الكتابةَ للطفل ليست بالأمر الهيِّنِ والبسيط كما يعتقدُ الكثيرون ، فهي نحتاجُ إلى موهبةٍ فذَّةٍ وقدراتٍ فنية ولغويّة وأدبية وثقافة واسعةٍ وشاملة في شتّى الميادين، ويجبُ على الكاتبِ قبل كلّ شيء أن يحملَ رسالة سامية ومُقدّسة من خلالِ كتابة أيِّ عملٍ أدبيٍّ وفكري للطفل وللكبير أيضا وقبل أن يكون مُتمكّنا من أدواته الكتابيَّة.. وهذه الجملة أقولها أنا دائما عن بعض النقاد ( النُّويقدين) المحليِّين أيضا الذي لا يعرفون أصول ومناهج النقد الادبي العلمي الموضوعي والنزيه والصحيح، وهؤلاء لا يوجدُ عندهم أيُّ نوع من النزاهة والأمانة والمصداقية في كتباتهم وخزعبلاتهم التي يسمُّونها نقدا وتقييما أدبيا ...فهنالك كتب وقصص عديدة كُتبت للأطفالِ قد تُسيءُ إلي الأطفالِ وتضرُّهم: نفسيا وفكريًّا وسلوكيًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا، وقد تعقِّدُ الطفلَ وتُحطّمُ وتُدمِّرُ شخصَّيتة ، وحتى الكبير في السن أيضا - كالعديد من كتب وقصص الأطفال المحلية التي لا يوجد عليها أيُّ نوع من الرقابةِ . وهذه الكتبُ العقيمةُ التي أعنيها لا تحملُ في طياتها أيَّةَ رسالةٍ قيِّمةٍ وهادفة، ولا يوجدُ لها أيُّ منطلقٍ وهدفٍ إيجابيِّ بنَّاء عدا مستواها الهابط والمُتدنِّي للحضيض..
وأمَّا قصَّةُ ( لبلب وعنتر) للكاتب سليم نفاع فهي مُمَيَّزة عن الكثير من قصص الأطفال المحليَّة فهي تنتهي نهاية شبهَ مفتوحة ونهايتها جميلة وسعيدة ومترعة بالتفاؤل والبهجة، وتُدخلُ إلى الطفلِ الصَّغير الارتياحَ النفسي والاطمئنان وتُعطيهِ الفرحَ والسعادةَ والحبورَ والاملَ والتفاؤل وليس الرّعبَ والحوفَ والهلعَ واليأسَ والاحباطَ والاكتئاب. وتُدخلُ الطفلَ إلى أجواء جميلة مُشعَّة بالمحبةَِّ والجمال.. وتُعلّمُ الطفلَ المحبَّة والتَّسامحَ وحبَّ الخيرِ والعطاء، وأنَّ التعايشَ السلمي يمكنُ أن يتحقَّقَ دائما وفي كل الظروف والأوضاع والحالات المتناقضة وعندها سيحلُّ الرَّخاء والخير والبركة ويعمُّ الأمنُ والسلام . وتختلفُ قصَّةُ الأستاذ سليم نفاع عن قصص كثيرة محليَّة كتبت للأطفال كان مفادها ومنطلقها وفحواها سلبيًّا جدا حيث تُعقّدُ الطفلَ وتشوّهُ شخصيّته وتدخلُ إليهِ الخوفَ والرّعبَ والفكرَ العدائي واليأس والقنوط .. وقصة ( لبلب وعنتر) لسليم نفاع لقد جاءت في زمن ووقت كثر فيه العنفُ وانتشرت بشكل كبير ورهيب ظاهرةُ القتل والفوضى والفساد ليس هذا في مجتمعنا المحلي فقط بل في الكثير من البلدان والمجتمعات الأخرى.. فالقصَّة تعلّمُ الطفلَ كلَّ شيءٍ إيجابيّ وكلّ ما هو جميل وجيد وبنَّاء لهذا المجتمع الي يسرُ نحو الانحدار .
وأخيرا وليس آخرا: هذه القصةُ (عنتر ولبلب ) على مستوى أدبيٍّ فنِّيّ وجماليّ راقٍ ومن أحسن وأفضل قصص الأطفال التي كُتِبَتْ محليًّا حتى الآن، وفيها كلُّ العناصر والأسُسُ الهامة التي ذُكِرت أعلاه. ونتمنَّى ونأملُ من الكاتبِ والأديب القدير الأستاذ سليم نفاع أن يتسمرَّ في مجالِ الكتابة والإبداع دونما انقطاع ويتحفنا دائما بإصدارات جديدة في جميع المجالات والألوان الأدبيَّة، وخاصة في مجال قصص الأطفال لأن هذا النوع من الأدب كان قبل أكثر من 60 سنة شبهَ معدومٍ على الصعيد المحلي والكتابة للأطفال كانت آنذاك مغامرة.






0 comments:
إرسال تعليق