الديموقراطية المصرية بخير! اسألوا العسكر!/ جورج الهاشم

العسكر والديموقراطية لا يلتقيان. اشتهر العسكر عبر التاريخ بسلخهم لجلد الديموقراطية. الامثلة الحديثة كثيرة من فرانكو في اسبانيا الى بينوشيه في تشيلي، الى جنرالات تركيا واليونان، والى كل مكان. أما في العالم العربي فالحريّة حلَّت ضيفاً على جميع سجون  صدام حسين والقذافي وحافظ الاسد وابنه بشّار وكل حاكم عربي من رتبة عريف وما فوق. هذا إذا لم تُشنق أو تُذوَّب بالأسيد أو تُخنق في زاروب مظلم، أو تُلاحق لتُغتال في المنافي.               
في مصر، ومنذ ما سُمِّيَ بثورة الضباط الاحرار سنة 1952، كانت الديموقراطية، ولا زالت هي الضحية الدائمة لحكم العسكر المتعاظم. فعبد الناصر، رغم انجازاته الكبيرة في مجالات كثيرة، كان على عداء ظاهر مع أي ملمح من ملامح الديموقراطية حتى داخل مجلس قيادة الثورة. وكانت دكتاتوريته سبباً مباشراً في القضاء على معظم انجازات عهده بعد رحيله. خلفه السادات الذي "فَرَمَ" خصومه السياسيين حسب تعبيره وأنهى حكمه بمذبحة الديموقراطية حين لم يكتف بسجن السياسيين بل  ألقى القبض أيضاً على نخبة من علماء مصر ومفكريها واقلامها الحرّة. وجاء عهد مبارك باشارات مشجعة حين أطلق معظم من سجنهم السادات، ووعد باطلاق الحريات العامة. ولكن سرعان ما طوى هذه المحاولات الجنينية وحوَّل البلاد الى مزرعة خاصة بآل مبارك وشركاه، وحكم البلاد بالرأي الواحد وضيَّق َ على الصحافة والاقلام الحرة والمفكرين والسياسيين. حكم العسكر، و مبارك على رأسهم، البلاد لأكثر من ثلاثين سنة كادت تنتهي بالتوريث. انتفض الشعب المصري ونزل الى الشوارع والساحات العامة بالملايين. كان على رأس قائمة مطالبه الحريّة  التي "التهمها" العسكر من جملة ما التهم خلال حكمه الطويل للبلاد.                                                                 
التفَّ العسكر على المطالب الشعبية. تنازل مبارك لصالح المجلس العسكري الذي أدار البلاد بواجهة عدلي منصور. بعد أن مهَّدَ لوصول الاخوان المسلمين الى السلطة. سلّمهم مقاليد البلاد اسمياً، وبقِيَ يقود السفينة من وراء الستار، ومن خلال وجودهم في كل المواقع. أسكرت السلطة الاخوان فتوهَّموا انهم السلطة الفعلية في البلاد فشنّوا حرباً لا هوادة فيها لأخونة البلاد ولحكمها بالحديد والنار وبالاسلام حسب تأويلهم. ثار الشعب وعاد الى الساحات العامة. هنا أيقن العسكر أنها نضجت. فأعلنوا التكاتف مع الشعب من أجل الثورة. نزل الملايين الى الشوارع يبايعون "المنقذ" عبد الفتاح السيسي الذي تعهَّد بالدفاع عن الثورة ومطالبها.        
وأصبح السيسي رئيساً لمصر. وتراجعت مطالب الثورة. الذين ناضلوا من أجلها ودخلوا سجون السادات ومبارك، أعادهم السيسي الى السجون التي ضاقت بهم فبنى عشرات جديدة لتستقبل كل من يتجرَّأ ويطالب بحقوق الغلابة. المفكرون مقموعون ويلاحقون باسم قانون "ازدراء الاديان" المتخلِّف، ويدخل بعضهم الى السجون. الرأي الآخر مقموع بسيف قانون التظاهر الاكثر تخلفاً. البرامج التلفزوينية الانتقادية، حتى الفكاهية، مُنع عنها الهواء.  الصحافيون الذين ينتقدون غابوا عن كل وسائل الاعلام العامة. لا تجد مقالة واحدة تنتقد أمراً عاماً وكأن كل مشاكل مصر قد حُلَّت. حتى الصحافة "المعارضة" التزمت بالتطبيل لانجازات الرئيس الرائعة. الاعلام المكتوب والمسموع والمرئي لا عمل له الا إخبارنا عن حكمة الرئيس وعبقريته وانجازاته العظيمة. وبقيت مطالب الثورة المصرية "عَيش، حرية، عدالة اجتماعية"  وحدها الغائبة.                                                                        
وقبل أن تنتهي ولاية الرئيس الاولى جنَّدَ العسكر المطبلين المتجندين أصلاً. بايعوا الرئيس على طريقة معاوية ويزيد. حتى الوحيد الذي نافس شكلياً في انتخابات الرئاسة كان أحد كبار المطبلين، ولا زال. ففي تصريح له في 2/7/2018 أنه "يعمل على تشكيل معارضة وطنية تقف مع السيسي"!! لقد خرج مبارك من السجن مع رموز عهده ودخله رموز الثورة وشبابها. وعاد العسكر، كما كان، يدير الصغيرة والكبيرة في البلاد: في وزارة التعليم عسكر. في الزراعة والصناعة وسكك الحديد عسكر. في الصحافة والثقافة والاقتصاد والادارة والسياسة والصحة عسكر. وتحصيل حاصل في الداخلية والدفاع والامن والمخابرات عسكر. وفي الدين عسكر. وتغلغل العسكر في كل شيء.                                                  
 هذا لا يعني أننا ضد المؤسسة العسكرية المصرية. فهي مؤسسة وطنية بامتياز ووقفت وقفات مشرّفة في التاريخ المصري الحديث، وتخوض حالياً حرباً شرسة ضد الارهاب. هذه الحرب التي لا يمكن ربحها إذا اقتصر خوضها على الجبهة العسكرية وحدها، وقمع باقي الجبهات. المشكلة في مصر، كما في كل البلدان العربية، خلط العسكري بالسياسي بالديني. فالعسكري هو السياسي وهو الديني وهو كل شيء. والديني هو العسكري وهو السياسي وهو كل شيء. بينما السياسي الوطني الصحيح  مقموع من الاثنين.                                
لن يستقيم الوضع في مصر، وسائر دول المنطقة، إلا إذا أختصَّ العسكري بمجاله. واختصّ الديني بمجاله. وتُرك السياسي ليقوم بعمله في ظل ديموقراطية حقيقية. أما إذا أصرَّ الحاكم أن يكون هو كل شيء فالنتيجة كما نراها اليوم على الارض في كل دول المنطقة:  تخلف وفساد وفقر وتمييز وقمع وارهاب وحروب وكذب وتملّق. ويبقى الحاكم هو الحكيم، الفيلسوف، المفكر، العبقري الذي لا قبله ولا بعده. أما الشعب فلم يتركوا له إلا التفكير بوجعه وبحلم ثورة أخرى تعيد له ما سلبه اياه الحاكمان العسكري والديني: "عَيش حرية عدالة اجتماعية". 

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق