أين الديمقراطية التى اشتعل من أجلها الحريق العربى؟/ الدكتور حمدى حمودة

من الواضح جدا أن الأمة العربية تعانى من أزمات اقتصادية شديدة ومن تفكك وتباعد وانشقاقات بينها وبين بعضها البعض منذ أن اشتعلت فى بعض بلدانها مايسمى " بالربيع العربى " تصدع الوطن وأصبح فى حاجة الى ترميم ، الا أن هذا الترميم مكلف جدا فى هذا الزمان المتردى ، فالدولة الثرية فى هذا الوطن والتى تمتلك الترليونات لاتعبأ كثيرا ولا تهتم بالدول الفقيرة والتى تهاوى اقتصادها بسبب الفساد والسرقات فى حكوماتها المتتالية حتى بعد الأنتفاضات التى حدثت بها منذ يناير 2011 وحتى الآن ! الأمر الذى يجعل ارساء الديمقراطية فى هذه الأمة أمرا يصعب تحقيقه ، ففى الفقر المدقع والحياة غير الكريمة والشريفة يصعب تحقيق الديمقراطيات ، وذلك لأستشراء الفساد وتعدد الجريمة بجميع أشكالها وارتداء الأقنعة لأخفاء الوجوه الشريرة وظهور الوجوه الطيبة المستعارة .
نحن يجب أن نوضح ونذكر بعض الأجيال التى لم تقرأ أو تسمع عن عظمة وقوة مصر الضاربة فى الوطن العربى واقتصادها المتماسك منذ القدم والذى ساند الكثير من دول الأمة الغارقة فى الفقر خاصة دول الخليج التى كانت تعانى من أزمات تعليمية وثقافية واقتصادية وتعليمية ، فما كان الا من الدولة الأم ( مصر ) الا ان تفتح لهم كل الأبواب المغلقة لترقى بهذه الشعوب فى كل هذه المظاهر المتعددة وتقف جانب حكوماتها المتعثرة ، بعثت مصر بخيرة شبابها من الأطباء والمعلمين والممرضين والبنائين والمهندسين ومن كل الأطياف والحرف ليبنوا ويشيدوا دولا ورجالا وعلماءا خاصة بعد أن فتحت لهم كل أبواب جامعاتها للتعلم بها ، هذه هى مصر التى لم تتمنع عن أى شيئ طلب منها أو لم يطلب ، فماذا كان رد الجميل من هذه الدول ، عندما تعثرت مصر منذ ثمانينات القرن ماقبل الماضى فى 1975 خاصة بعد اعتلاء " السادات " الحكم الذى جاء بالنكبة الكبرى للأمة العربية بعد توقيعه اتفاقية " كمب ديفيد " المشئومة ، وكانت هذه الدول قد ازدهرت بعد ظهور آبارالبترول بها منذ 1945 وانتعاشها اقتصاديا وفى ازدياد ثرواتها بصفة مستمرة ، لم نسمع أنها أغدقت على الدول العربية التى تدنى اقتصادها بسبب الحروب المتتالية لصد العدوان الأسرائيلى خاصة على مصر التى كانت تقف ومازالت لنصرة القضية الفلسطينية فخاضت أربع حروب متتالية أجهضت اقتصادها كثيرا دفاعا عن الأمة العربية .
كل ماحدث أن هذه الدول البترولية تعاملت مع باقى الدول العربية المستنيرة مثل مصر وسوريا وتونس والعراق والجزائر بنظرية المنفعة ، فهى فى حاجة دائمة الى العمالة فى كل التخصصات لبناء دولهم وتعليم وتثقيف شعوبهم حتى طبقة العمال والحرفين بكل أصنافهم ، فلم تتفرد مصر عن باقى الدول التى ذكرناها آنفا ، فمثلما تعاقدت مع المصريين تعاقددت أيضا مع الآخرين ، فكان تبادل للمنفعة العامة وليس من أجل سد العجز المالى أوالأقتصادى لهذه الدول التىكانت غارقة فى الديون خاصة فى الخمسون سنة الأخيرة من القرن الماضى والحالى ، وحتى لانكون مما ينكروا الجميل ، فقد منت بعض هذه الدول خاصة الرياض والكويت ودبى ببعض المليارات التى لاتذكر ولاتقاس بما ينفقه أمير واحد من هؤلاء الأمراء على متطلباته الشخصية ، حدث ذلك بعد وأثناء الحريق العربى ، بعض الهبات المتواضعة لو قيست بما ينفقه ملوك وأمراء هذه الدول ، ولا ننسى أيضا مما منح لمصر على هيئة ديون ملتزمة مصر بسدادها فى توقيتها ، فهل هذا هو العرفان بالجميل أو رده ! فى الوقت التى كانت مصر فى أشد أزمتها طلب أمير الدوحة السابق شراء حصة من قناة السويس لكى يقوم بتوسيعها بالشكل الذى قامت به مصر فى العام الماضى ، وبكل جرأة وبدون حياء ، وهكذا كانت مطالب الرياض مقابل ما تقوم به مع مصر ، طلبت شراء جزيرتين تدعى أنهما ضمن مياهها الأقليمية ، والسؤال هنا يفرض نفسه ، لماذا الآن ؟ لماذا لم يكن هذا فى زمن عبدد الناصر ؟ لأنهم كانوا ومازالوا يتهموه بالباطل وبما لم يفكر فى حدوثه يوما ، أليس عبد الناصر الذى منع عبد الكريم قاسم حاكم العراق فى ذلك الوقت من غزو الكويت ؟ هل معنى أنه أرسل بعض القوات الى اليمن ليساند الثوار الذين ثاروا على ابن السلطان الراحل " الأمام أحمد " ليتنفسوا الصعداء مثلما قامت الثورات فى كل الوطن العربى بعد الثورة المصرية 1952 ، هل هذا معناه أنه يريد احتلال اليمن ؟ وبالمقياس ماذا نقول عما يحدث الآن لليمن من تحالف دولة تدعى أنها شقيقة تدمر وتقتل ملايين الأطفال والرجال والنساء والشيوخ من المدنيين وهدم آلاف المساكن والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والمنشئات الصناعية والبنى التحتية والكهرباء والماء لتصبح اليمن بلا حضارة بعد تدميرها كما دمرت داعش حضارات العراق وحضارة سوريا ، ما الفرق بما تقوم به هذه الجماعات التكفيرية ، وما يحدث فى اليمن الفقير المهان شعبه دون أى من الدول العربية أو العالمية حاول انقاذه أو الوقوف بجواره .؟ لقد أعلن مبعوث الأمم المتحدة عن اقامة هدنة يلتزم بها الطرفين اعتبارا من 10 ابريل الجارى ن ومع ذلك لم تلتزم الرياض وحلفائها بهذه الهدنة فهى مازالت مستمرة فى غيها ، لم يتعلموا الدروس ، فلن تسقط الشعوب ذوى الأرادة الحرة مهما طال امد الحرب ، الذى منع سوريا من السقوط ليس حكومتها أو جيشها ، ولكن ارادة شعبها القوية التى وقفت ضد المستعمر العثمانى والفرنسى وقهرتهما من قبل ، ولقد سبق واعتدت الرياض على اليمن وهزمت وتقهقرت فهل ظنت أن بتحالفها مع هذه الدول تسطيع ان تحتل اليمن ؟ 
نعود ونسأل لماذا لم يكن هذا المطلب فى عهد حسنى ؟ لأن الوقت والمناسبة كانت غير سانحة ، فلم تكن مصر فى هذه الحالة المتدنية الى هذا الحد مثل الآن .! انتهاز الفرص والعمل بمدأ المنفعة ، لذلك كان هذا التوقيت هو أنسب وقت لتحقيق هذا الطلب .! اذن ماذا اعطت وماذا أخذت دول الخليج من مصر ، هل بالفعل استطاعت كل هذه الدول البترولية رد الجميل لمصر ؟ أظن ان الأجابة واضحة وجلية ونحن نسجلها للتاريخ ولكل من لم يقرأ التاريخ من هذه الأجيال ، أن مهما أعطت هذه الدول لمصر فلن تسد معشار ذرة لما قامت به مصر دفاعا عنهم ولأرتقاء شعوبهم ، ولقد سمعت هذا باذنى من بعض الرجال المحترمين فى بريدة وعنيزة عندما كنت أدرس فى جامعة الأمام محمد بن سعود ، سمعت باذنى أن مهما أعطينا لمصر لن ننسى كم وقفت بجوارنا عندما كنا نطحن نوى البلح ونسد به رمقنا ، هاهم الشرفاء من أهل المملكة ، يعترفون بالجميل ولا ينكرونه ، وهذه صفات الشعب الطيب الكريم المعطاء الى ينطبق عليه المثل ( الأعتراف بالحق فضيلة ) نحن نحب كل شعوب الخليج واختلطنا بهم فى كل البلدان العربية ، وهم أيضا يجلونا ويحترمونا ، فلماذا نغالى فى توصيف وتصنيف الأمور .؟ 

Dr_hamdy@hotmail.com                                                                    

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق