طيلة ثلاثة أعوامٍ ونيف إستغرقتني الكِتابةُ عَنْ تأريخ وطني لا سيما نينوى الحدباء وزُمّار الهيفاء مَرَرتُ خِلالها بِسيرَة والدي بلمحاتٍ خاطِفةٍ دون أن أحط الرِحال في رِحابه أو أن أنهل مِنْ جَنابِه حتى إنتهيتُ مما عقدت العَزمَ على إنجازه قُبَيلَ عيدِ الأضحى المُبارك الذي صادَف شهر آب (2018م) وفي حوارٍ مع النفس وأنا ألومها مُعاتِباً بعد أن كتبت الكثير والكثير عن أهلنا في زُمّار ألا يستحِق أبي الذي هو سِرُّ وجودي أن أتَرجِمَ جانِباً من حياته التي قضاها مجاهداً كي نحيا ونَسعد وفق مبادئٍ قَلَّ نظيرها بدءاً بمرحلةِ دَلال الطفولة وقسوة الصِبا ثُمَّ صداقة الشباب ؛
دلالنا في مرحلةِ الطفولةِ رواه لنا أصدقاء أبي وأعمامي ومَنْ شهد ذلك العهد فضلاً عَمّا نقلته لنا أمي "حفظها الله" أمّا قَسوته فلا زالت الرهبةُ في قلوبنا ونحنُ نستذكِر خَزَرَاتِ عينيه وهو يَنظُرُ شَزَراً لتوصل تِلك النَظرات أبلغ الرسائل التي تعقبها قبضة يديه وهي تُطبِقُ على كِراعِي ليحملني بيده اليسرى ويقلبني رأساً على عَقِب ثم يَشرَعُ بضربي بيده اليمنى أو بالحِزام إن صادف وتأخرتُ في العودةِ إلى البيتِ بعد الغُروب أو إشتكى تصرفي أحدُ الجيران ،حتى تواصلت الإتصالات من أهلنا في زُمّار تستحلفني بإستعراض سيرة الوالد "رحمه الله تعالى وطيب ثراه وجعل قبره روضة من رياض الجنة" فشكراً لكم وحُباً وسمعاً وطاعة فقد أثلج صدري طلبكم الكريم .
دموعُ أبي الغالية :
عَهِدتُ والدِي قوياً صَلداَ جَلِداً لَمْ أرَ لهُ دمعةٌ واحدة في أشدِّ الأهوال وأقسى الخُطُوب سوى في موقفين لا ثالث لهما الموقفُ الأول حينما يستذكر الذي حصلَ معه في (مستشفى كيوان) "k1 " في كركوك وقد تطرقتُ لهذا الموقفِ في منشورٍ سابق ؛ والموقف الثاني حينما فتح لي الباب وَوجدني مصاباً مُضرجاً بِدماء المَعركة في حرب الأعوام الثمانية بين العراق وإيران أتكئ على عكازات لتحملني بعد إصابتي برأسي وصدري وبطني وساقي وقدمي اليُمنى :
إصابتي الثانية في آخر معركة بتأريخ 22 تموز 1988م :
دُعاءُ الوالدِين هو الحِصنُ الحصين الذي يغمرنا بنعمةِ الأمن والأمان في زمنٍ تتجاذبنا أطرافُ الصِراع فبتنا وقودُ لحربٍ ما كان للعراق إجتنابها بأي حالٍ مِن الأحوال ، ففي كل يومٍ مناوشاتٌ وقصفٌ وقنصٌ دون أن يكون بيننا سابقُ معرفة ، وفي مواقفَ تنهمر مياه السماء وتفيض مياه الأرض فتجتاح مواضعنا السيول فننشغل نحنُ وخصمنا بإنقاذ سِلاحنا وعِتادنا وطعامنا دون أن يعترض أحدنا للآخر ليكون الجانبُ الإنساني سيد الموقف حتى إذا إنجلى الموقف عُدنا للإقتِتال مثنى وثُلاث ورباع ، لذا كُنّا نحرص على أن تصاحبنا بركاتُ أدعية الوالدة والوالد وأحياناً ونحن في الحجابات يرنُ هاتِف الخط العسكري ليخبرني مخابر الفوج بأنَّ اللواء أمَّن لي إتصال مع البيت خاصةً وأنَّ أرقام هواتفنا المدنية مودعةٌ لدى خفر بدالة اللواء عساه في هدءة الليل يتمكن من تأمين الإتصال وهكذا كُنّا نتحدثُ مع الوالدة والوالد وباقي أخوتنا وأخواتنا في توالي الليل لنشعر بنسمات الجَنَّة تداعبُ وجوهنا التي يلفحها إستعار لظى الحرب في كلِ وقتٍ وحين لنختتم الإتصال لا تنسونا في الدعاء وخاصةً دعوات أمي وأبي .
تحركت وحداتنا من معسكرات تدريبها في الحبّانية إلى
(عَرْبَت) في السليمانية لفترةٍ وجيزة ، أدركنا لاحقاً أنَّ هذه الحركة هي للتمويه وصرف الإنتباه عن جنوب العراق والتهيؤ لصد هجومٍ عراقيٍ محتمل على القاطعِ الشمالي ، لتصدر أوامر الحركة الفورية إلى كركوك فديالى ثم بغداد فالناصرية وإلى البصرة في شهر رمضان المبارك لنتحرك إلى (الفاو) لتبدأ أولى معارك التحرير التي سُميت (معركة رمضان مبارك) ثم تبعتها (معاركُ التوكُلات ، توكلنا على الله الأولى حيث نهر جاسِم ، فالثانية حيث دويريج ونهر الكرخة والعمية ، وأردفناها بالثالثة في حقول نفطِ مجنون ، وإختتمناها بالرابعة حيث سانوبة وكَيلان و...)
إنتهت معركة (توكلنا على الله الثالثة) وتم إرسال نِصفُ تعداد اللواء بوجبةٍ أولى للمجازين لمدة عشرة أيام وبقينا نحن ننتظر إنتهاء إجازة الوجبةٍ الأولى كي نكحل العيون بجمال نينوى الحدباء ، لكننا فوجِئنا بصدور أمر الحركة جهزت وحدتي على الفور وتحركنا ضمن رتل لوائنا دون أن أعرفَ وجهتنا حتى عسكرنا في القاطِع الأوسط مع تشكيلات الفرقة (17) (قيادة قوات العَبّاس) إتصلنا ببقية الضباط المجازين وأبلغناهم بضرورة الإلتحاق الفوري ، توجهنا مع ثُلةٍ مِن ضباطِ لوائنا للإستطلاع الذي يسبق الهجوم...
يتقدمنا (المقدم الركن نوري داؤد المشعل آمر لوائنا " الفريق الركن قائد الفيلق الثالث لاحِقاً " رحمه الله ؛ المقدم الركن سالم المحل مقدم اللواء ؛ الرائِد الركن ق.خ محمد خيري البرهاوي ضابط ركن الثالث حركات " اللواء الركن قائد القوات الخاصة وقائد شرطة نينوى بعد الإحتلال " ؛ الرائِد الركن عبد الرزّاق الجبوري غادر العِراق إلى الخارِج بعد أن غادر إلى الشمال إبَّان أحداث عام "1991م" ؛ الرائِد الركن جمال الكروي أمر الفوج الثاني " لواء ركن قائِد قوات المثنى لاحِقاً " ؛ النقيب خالد النَنِّي ؛ النقيب رعد خلف فتحي اللامي " مقدم ركن وأسفاً تم إغتياله بعد الإحتلال سنة 2003م " ؛ م.أول عصام أحمد فتحي الذي إلتحق تواً " عقيد عصام شغل منصب مدير شرطة الكرامة في الموصل حتى إغتياله رحمه الله" ؛ م.أول زياد محمد سرية مغاوير اللواء ؛ ملازم محمد البغدادي الضابط الكيمياوي ) مع كوكبةٍ من مِن ضباط اللواء (99 فق 17 إنْ لم تخني الذاكرة)
وما أن شرع آمر اللواء المُضيِّف لنا بتوضيح الأهداف التي سنهجم عليها حتى بدأت المدفعية الإيرانية بقصفِنا قصفاً مُركزاً بحيث أصبحت قذائف المدفعية كما المطر فوق رؤوسنا ، سقطت إحداهن على مقربةٍ جداً بحيث إنعدمت الرؤية مِن التراب وتعالى صوت الصُراخ إدركت أنه ثِمةَ إصاباتٍ بيننا فإذا بي أسمع صوت (آمر اللواء نوري داؤد المشعل ) زياد أخوي أخوي إخلي إخوتك الضباط الجرحى ، خف غُبار القصف وإذا بي أجد (رعد وعصام جرحى) أما رعد فكانت إصابته بليغة بحيث كيفما أحاول إنتشاله مِنْ الأرض ورفعه فوق كتفي يصرخُ مِن كثرة الجراح ، حملته على كتفي وركضت بسرعةٍ عبر الخندق المحفور في الجبل رغم تساقط القذائف يميناً وشمالاً حتى نزلت فإذا بــــ(الملازم الأول سعد عبدالعزيز عبد الهادي السعدون) قد وصلَ تواً من الكوت بعد أن قطع إجازته فأمرته بإصطحاب الجرحى إلى وحدة ميدان الطبية ومنها إلى مشفى خانقين أو جلولاء تبعاً للحالة الصحية وأنا سأعود للإلتحاق بآمر اللواء .
عاد سعد ليلاً ليطمأننا على وضع الجرحى الصحي فأبلغته أنَّ موعد الهجوم هو صباح يوم غد وسنهجم بنصف القوة وهذا هو الموجود وستكون وحدتنا (سرية المغاوير) جاهِزة لأيِّ أمرٍ طارئ حيث سيكون لواء المغاوير (لمغ 11) على يسارنا وعلى اليمين الفوج الثاني رائد ركن جمال الكروي وأمامنا مباشرة سيتقدم النقيب رِفعت المصلاوي .
مع بواكير فجر اليوم التالي شرعت قطعاتنا بالهجوم وأنا بجوار آمر اللواء أتابعُ عن كثب سير المعركة مِن خِلال الإتصالات اللاسِلكية أدركت أنه ثمة تلكؤ في المحور الذي يقوده (نقيب رِفعت الموصلي) إستدار بإتجاهي نوري المشعل ليخبرني بضرورة إنقاذ الموقف بعد ان تيقن خبر (إستشهاد نقيب رفعت برصاصة دوشكة 14,5 أصابته في رأسه) وتوسم أن يكون تقدمنا نحن المغاوير ركضاً فالموقف لا يحتملُ التأخير ،
بالفِعل تقدمت بالمغاوير بوضع الهرولة لإحتلال الرقم 525 يرافقني أبو سعود (سعد السعدون) وإجتزنا (نهر الوند) بمياهه العذبة الباردة وهي تمر بأرضٍ صخرية لأصل فأجدُ (النقيب منصور المصلاوي) وقد أصيب بطلقةٍ أسفل حنكه في رقبته وهو بين الحياة والموت فأمرت جنديين بإخلائه لئلا تؤثر إصابته سلباً على سير المعركة وعن يميني إستُشهد (نقيب رفعت) أصدرت أوامري بإقتحام الساتِر بعد الإشتباك بالأسلحة الخفيفة ركضتُ خلال الثغرة التي فتحها رجال الهندسة لكنَّ إندفاع أحد الجنود ( عزيز عايد العبيدي مهوال السرية وشاعرها علماً أنه إبن شهيد) وخروجه عن الثغرة أوقعه في حقلِ الألغام حيث قفز لغم (فالمارا) على إرتفاعِ متر ثم إنفجر علينا (إستثشهِد المعاون الطبي غازي جهاد علوان من ديالى وعزيز عايد إبراهيم العبيدي من الفلوجة ؛ وجرحنا نحن كوكبةٌ من رجال المغاوير أنا زياد محمد إصابتي شديدة ؛ محمد حسن عطية إصابته شديدة ؛ أياد عبد زاير إصابته متوسطة ؛ نجم عبد صالح إصابته متوسطة ؛ عماد صباح حسن إصابته متوسطة )
وجدتُ نفسي ملقى على بضع خطوات أمام الساتر فأمرت (سعد بقيادة المغاوير وإستثمار الموقف وحسمه لصالحنا) فسمعته يقول لي :
بس بشرني تكَدر تخلي نفسك لو لا ؟ طمأنته بالإيجاب : نعم أنا بخير ولكن تقدم أنت يأبن الكوت وأحسم .
حاولت التحامل على جراحي والوقوف فإذا بي أنزف مِن صدري وبطني ويدي اليمنى وقدمي الأيمن فضلاً عن كثيرٍ من الشظايا التي إستقرت في الجزء الأيمن من جسمي ، سِرت قرابة (10 كم) دون أن أشعر بالجرح حتى وصلت مركز إخلاء الجرحى ومنه إلى وحدة ميدان طبية وبعد إسعافاتٍ بسيطة تم تثبيت إصابتي بالشديدة ثُمَّ تَم إرسالي إلى مستشفى (بعقوبة العسكري) ما أن وصلت حتى لم أعد أستطع المسير وبدأت الآلام تؤذيني وبوصول الكادِر الطبي شرع بقص وتقطيع بدلتي المرقطة التي أرتديها لأول مرة ورغم إخباري لهم بأنني بإمكاني نزعها ولكن دون فائدة فقد تم تمزيقها ومعالجة جراحي وإعطائي إجازة ومبلغ (300 دينار عِلماً أن راتبي مع مخصصات الصِنف كان لا يزيد عن 220 دينار بشيءٍ يسير) وبدلة خاكي وكتاب بمراجعة مستشفى الموصل العسكري كون مستشفى بعقوبة لم تعد تستوعب الشهداء والجرحى .
تم منحي عكازات من مستشفى بعقوبة لأتمكن من المسير وتَمَّ إيصالي إلى بَغداد مرآب نقل المسافرين (كَراج العلاوي) وعلى الفور تم تأجير سيارة خاصة لتُقِلُّني إلى الموصل التي وصلتها لَيلاً وما أن طرقتُ الباب وفتحه والدي ورآني أمام عينيه حتى إحتضنني وأجهش باكِياً بصوتٍ يُقَطِّع نِياط القلب وفي مشهدٍ لم أألفه مِن قبل رغم محاولاتي طمأنته بأنَّ إصابتي خفيفةٌ جِداً لكنَّ صوت نحيبه وهو يتعالى جعلَ والدتي تهرعُ إلى خارج الدار حيث نتعانقُ أنا ووالدي فَشَرعت تُزَغرِد وتحمدُ الله وتحاول أن تطمئن والدي وهو تقول :
قول الحمد لله يا أبو رياض وَ وَحِد الله هذا إبنك وفي أحضانك فدعه يَدلفُ إلى اليت كي يستريح وينفض عنه غُبار المعركة ..... فكان لكلمات أمي أبلغ الأثر في أن يتماسك والدي ويسترجع قائلاً ( لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ) ثم يحمد الله ويشرع في وضع يدي على كتفه ليحملني إلى داخل الدار (رحم الله أبا رياض وجعل الفردوس الأعلى مستقراً لهُ ومُقاما ؛ وجمعنا به في مستقر رحمته إن ربي ولي ذلك والقادر عليه) .







0 comments:
إرسال تعليق