أنيابُ الغزلان/ محمود شباط



 قصة منشورة في كتابي "على صهوة حلم أبيض" مع بعض التعديلات 

10

من الحسنات القليلة للشوك حماية الورد وتقديمه كعلف للحيوان. ذلك ما كانت تردده الأرملة الشابة على مسمع طفلتها شيماء ذات العاشرة، التي توفي والدها حين كانت في الثانية من عمرها، كلتاهما كانتا تعتمدان في معيشتهما على ما تستلمه الأم من الجدة كل آخر شهر من راتبها الضئيل لقاء عملها كطاهية في قصر آل البسكويتي في العاصمة قبل وفاتها منذ شهرين. حيث حلَّت أم شيماء مكان العجوز الراحلة مصطحبة معها طفلتها شيماء.

حين بلغت شيماء ربيعها الخامس عشر كانت أمها قد تزوجت من سائق آل البسكويتي وسافرت معه إلى الكويت، تاركة ابنتها في عـزِّ موسم تفتح براعم الملاحة والنضوج قبل الأوان. مفتقدةً لحماية الشوك، تعمل في إحدى الشركات المملوكة لآل البسكويتي، تدور كفراشة صغيرة حول قنديل المراهق الوسيم زاهر البسكويتي الذي بلغت وعوده سقفها حين عرض على شيماء الزواج سراً.

النوم الخدري على حرير وعود وحيد العائلة الثرية ووريثها أودى بالفتاة إلى الذهاب المتكرر خفيةً مع زاهر إلى السينما والمسبح والملاهي الليلية سراً، لاحظت السيدة البسكويتي بتشكّك سراب علاقة غير متكافئة اجتماعيا فطردت العاشقة الصغيرة من القصر، حيث استأجر لها زاهر شقة سرية وصار يغدق عليها ملابس وأدوات زينة وكل ما تحتاجه.

 بدت أولى بوادر الحمل على شَــيْـمـاء، جلست على جمر قلقها مرتبكة تبكي وتجرع كاسات الندم والثقة المفرطة.  تنتظر زاهر كي يأتي في المساء لتلح عليه في تسريع موعد الزواج. مضت أيام دون أن يتصل أو يحضر، فصارت الفتاة كمنتظر الماء من السراب، بقيت تنتظر أيامًا إلى أن صعقها خبر سفره إلى أميركا لإكمال دراسته. حينها اضطرت لمغادرة الشقة، وبينما هي تجمع حاجياتها الشخصية افتقدت لتذكرة هويتها.

وبينما هي في الحديقة العامة تروح عن نفسها، جلست على حقيبة ملابسها ملتحفة همومها ومصائبها. هناك كانت سيدة خمسينية تختلس نظرات متباعدة نحو الفتاة، التي عرفت لاحقاً بأن ذلك الزوج الستيني الجالس بجانب السيدة، والذي كان يقرب نظارتيه ويبعدهما على أرنبة أنفه يتابع سرب حمام يدرج على بساط عشب الحديقة، هو أحد ألمع محامي البلد.

اقتربت السيدة من الفتاة المتنهنهة المنكمشة المنطوية على نفسها تنتحب بصمت. سألتها عَـمّـا بها، وهل تحتاج لمساعدة ؟ لم تردّ الفتاة. ألـحَّـت عليها السيِّدة بالسؤال، رفعت الفتاة رأسها على مهل وقرأت من خلف غشاء دموع الندم والأسى وغفلة الفتيات الصغيرات المغرر بهن طيب وجه مخاطبتها، اطمأنت إلى وداعة العينين وإلفة قسمات الوجه فأخبرتها بجزء من فصول قصتها. رقَّت السيّدة الطـيِّـبة لحال الفتاة المتروكة على قارعة زمن أغبر وألـحَّت عليها للمجىء معهما إلى منزلهما.  

في تلك الأمسية كانت شَــيْـمـاء على وشك النوم في الغرفة الملاصقة للصالة حيث كان الزوجان يتسامران همساً. لم تفهم كل الحديث المتبادل، تناهى إلى سماعها عبارات متقطعة تشي بأنهما يتباحثان بموضوعها مع زاهر البسكويتي: لن يعود من أميركا قبل سنوات...  على الأقل علناً، ....كنت سأنصحها بالإدعاء عليه ولكن ....  لو كان لديها تذكرة هوية ... عاملة استقبال أو تنظيف في فندق.. "  كما عرفت خلال تنصتها عليهما دون أن تقصد بأنهما سوف يسعيان لدى معارفهما لتوظيفها في فندق "المرجان الأزرق". تسارعت نبضات قلبها فقالت لنفسها جاء الفرج !!.

في اليوم التالي، ودون أن تُعلِمَ السيدة المحسنة والسيد المحسن، توجَّهت شَـيْـمـاء إلى مكتب المختار في ذلك الحي لتزويدها بإفادة سكن وتعريف. استنكر المختار طلب غريبة لا يعرفها وتظاهر بالعفة والنزاهة والنظامية. ولكنه استجاب لنداء الواجب بما يمليه عليه "جيبه" حين مدت قبضتها المقفلة نحوه فاشتم بحدسه رائحة الليرة الذهبية، تلقفها، دقق بتفاصيلها بالعدسة المكبرة، تفحصها أكثر من مرة، تحسس نتوءاتها وحروفها بـإبهامه وسبابته ثم همس: "هاتي صورتين شخصيتين" ، اطمأنت الفتاة "لانخفاض نوعية نزاهته" وغياب ضميره الوطني والمهني فطلبت منه بنبرة واثقة تغيير اسمها إلى هيفاء فقال لها "ليرة ثانية".

خلال عملها باسمها الجديد في وظيفتها الجديدة كعاملة خدمة غرف في فندق "المرجان الأزرق" ، أسعفها جمالها الباهر وألق طلتها في وقوع كميل ن. ، كبير مدراء الفندق في أسرها، طلبت منه خدمة العمر ولبىاها لها. وعبره كانت تتلقف أخبار زاهر فاطف براعم صباها وسارق أغلى ما لديها والغادر بقلبها، دلها كميل على جناح سري خاص يحضر إليه السيد البسكويتي، وساعدها بخدمات كبيرة، فصارت تتحين الفرص كي تشن غارتها وتخبره زاهر بأنها حامل في شهرها الخامس. 

مضت آشهر دون أن توفق بلقاء زاهر، في تلك الأثناء أنجبت صبياً أصمّ أبكم سـمـّـته ماجد. ولكنه سيبقى مكتوم القيد إلى حين، ولغاية في نفسها. 

وفي ساعة متأخِّرة من ذات ليل لَمَحَت شيماء والد ابنها الفيزيولوجي زاهر البسكويتي يعبر القاعة الرئيسية للفندق، محاطا بعدد من الحراس عند باب المصعد ولم يغادروا إلا بعد أن بلغ الطابق الواحد والعشرين. 

عبر الكاميرات السرية في الجناح عرفت بالصوت والصورة بأن السيدة وفاء م. زوجة وزير المالية هي عشيقة سرية لزاهر، وبأنها حامل منه وتتدبر أمر إجهاض الجنين سرا عبر عيادة طبية تابعة لوزير الصحة. 

أرسلت شيماء بنسخ عن التسجيلات صوتا وصورة إلى زاهر، ورسالة تهدّده فيها بأنها سوف تبعث نسخة لأهله ولوسائل الإعلام وبإقامة دعوى عليه لتسجيل ابنهما في دوائر النفوس على اسم أبيه وإعطائه حقه كاملاً من الممتلكات المنقولة وغير المنقولة. استشارت محاميها فأضاف إلى المطالب استرجاع تذكرة هوية شيماء. فخشيت اتهامها باستخدام المزور فطمأنها بأنها ستنال عقوبة مخففة لظروف قاهرة.

صعقت المفاجأة زاهر، ظن بأن الزمن قد طواها، استشار محاميه، ردّ عليها بعرض تسوية للزواج منها دون تسجيل الصبي، ردّت على الردِّ بالرّفض المطلق للقبول بلدغة أخرى، وبأنها تصرُّ على طلبها السابق كاملاً. بما فيه تسجيل الوالد للولد نصيبه من الفندق وبقية الشركات والعقارات، وبأنه عليه أن يضع مبلغاً من المال باسمها للإنفاق على الصبي. منهية رسالتها بأنها سوف تُـغرقه إن فكّر مرّة أخرى في إغراقها، وبأنه يمكنه أن يزوِّرَ كل وثائق العالم ولكنه لا يستطيع أن يزور قطرة واحدة من دم ابنه ماجد. ومن حقائق تسجيلات الصوت والصورة مع عشيقته.

ردَّ عليها بالموافقة فاقترحت إنهاء الصفقة عند المحامي الذي تعرفه وتثق به، حيث سلمته التسجيلات كاملة وتعهدت خطيا بعدم وجود نسخ أخرى. وبعد التوقيع وإنهاء الإجراءات سألها زاهر :   

- حسنا ! هل انتهينا الآن ؟ 

- ردت بعنفوان المنتصر وبثقة : أنت من سينتهي وأنا من سيبدأ. عليك أن تعلم بأن ما سلبته مني لا يُعوَّض بمال.

بعد شهرين من إقرار الصفقة بين زاهر وشَــيْـمـاء، كانت ثلاث ورش إعمار لمستشفى  ومدرسة ودار مسنين بدأت شركة مقاولات في بنائها في الضيعة تمولها سيدة ثرية غريبة بالكاد يعرفها أحد هناك. وكان أغرب ما في الأمر صور أنياب غزلان على البورتابل كابينز (المكاتب المؤقتة المتنقلة) ، وعند مدخل كل ورشة لوحة إعلانية عليها صورة غزالة لها أنياب.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق