البراءة المتأخرة/ محمود شباط

 


من القصص المنشورة في كتابي "على صهوة حلم أبيض" مع بعض التعديلات- الجزء الأول


11

في ذلك اليوم كان السجين "جريس المنسي" قد أمضى خمسة وعشرين عاماً في سجن "وادي جندل". ورغم أنه لم يتجاوز الخامسة والخمسين كان يبدو سبعينيا طويلاً نحيلاً هزيلاً أشيباً عليلاً زائغ النظرات. ما إن يمرّ السجّان قرب باب زنزانته حتى يبادره جريس بالتوسل لكي يعتبروا قضية موت زوجته على يده قضاءً وقدراً كقضية جابر الفتّاك و أحمد الجاير وغيرهما مـمَّن تدبَّروا أمرَ "الواسطة"، واعتبرت جرائمهم قتلاً عن غير عمد أو قضاء وقدراً. ولكنّ السجّان لا يردّ. حينها يقسم له جريس بأنه صَفعَ "سارة" ودَفَعها كما كان يفعل كلما تشاجرا، ولكنه لم يكن ينوي قتلَ أم طفله مارسيل. 

يكمل السجَّـان طريقَه ولا يردّ على جريس. ينفعل جريس ويجرّ جسده الضعيف نحو باب الزنزانة ويمسك بيديه المرتعشتين بقضبانها الثخينة الصّلدة محاولاً هزّها فيهتزّ هيكله العظمي ويصرخ بالسجان : "وَيـْنْ مارسيل "؟ . 

أيضاً لن يرد السجان لأنه أخبره ألف مرّة قبلاً بأن أقاربه من"آل المنسي"، قالوا له بأن ابنه الطفل مارسيل مات بداء الحصبة بُـعَـيدَ وفاة أمّه بشهر واحد.  

كان جريس يتمرمر من تجاهل السجّان وصنـميـّـته، يـيأس السّجين المزمن من استجابة أبي الهول الصغير، ثم يلوذ إلى تصديق ما قاله له زميله السابق في حراسة المدرسة وصديقه أبو نعيم بأن أشقاء جريس قد باعوا الرضيع مارسيل لرجل ثري في المدينة واقتسم الأشقّـاء "الغنيمة" فيما بينهم. 

هكذا كانت حالة جريس في سجن "وادي جندل" الجبلي البعيد، النائي، المقفر، الموحش والكئيب. النهار فيه مُغـِمّ فاتك وليله ميتٌ حالك. تزيد في عتمته ووحشته بومة تحطّ على حواف نوافذ زنازينه ليلاً. تنتقل من نافذة إلى أخرى. تنعب وتنعب إلى أن تـُـتـْعـِبَ ولا تـَتـْعـَبْ. ثم تخفق كطير "هيتشكوكي" مخيف أسطوريّ مرعبٍ مُحلّـقة فوق الصخور المحيقة بالسجن .

كان آمر السجن مطمئناً، بل مُتأكداً بأنّ جريس لا يستطيع الركض، ولا حتى المشي بطبيعية كي يحاول الهروب فيسمح له أن يتمشّى في الساحة نصف ساعة كل يوم لأن الطبيب وصف له المشي كي يتعافى من ضعف في رجليه وألم في أسفل ظهره.

يتعب جريس في أول مشواره فيجلس على أحد المقاعد الخرسانية ويجول نظره في تلك القلعة الحجرية العتيقة المحاطة بصخور بركانـيّة سوداء تسجن السجنَ بقيد حجري. يتأمل تلك الصخور الشاهقة الـمُعَـتَّـقة بريشةِ المطر والريح ويتذكَّر البومة التي تعبرها مرّات ومرّات في الليلة الواحدة، حيث تنطلق من حافة إحدى النوافذ وتمضي بنشازها الـمُتـتابع نحو الجرف الصخري الحادّ المجاور للسجن، ثم يتصوّرها مكملة صوب الوادي المشجر السحيق، تـثابر في انسيابها السريع عبر نسيج الضباب والعتمة كالسَّهم، ويتناءى نعيبُـها مع تنائيها. ثم تعود وتنعب وتروح ثم تعود وتنعب وتروح إلى أن يبزغ ضوء الفجر فتختفي. تمـنَّـى لو كان بومة . ولكن إلى أين سيذهب ؟

شاع بين السجناء خبر استبدال آمر السجن بضابط جديد. وانتشر اسم الملازم جودت النعيماني بين أفراد الشرطة والمساجين. وبينما كان ذلك الضابط في مكتبه يوضب ملـفّـات أحضرها معه، سمع صراخاً لم يعرف بأنــّه صراخ جريس المنسي فاتصل بالسجان وطلب إسكات السجين. انزعج الضابط الجديد في نهاره الأول من زعيق جريس، وفي ليلته الأولى من البومة. لم يستطع النوم، البيئة الموحشة دفعته للـتَّـفكير بطلب نقله من هناك، وإلا فإنه سيتسقيل ويعود إلى المدينة ليعمل في إدارة مصنع المفروشات الذي يملكه والده عبد الرحمن النعيماني وعـمّـه فرحات النعيماني مناصفة .

في إجازته التالية وبينما كان يحلق ذقنه ليزور بيت خطيبته فريال، ابنة عمه فرحات، لاحظ جو وجوم يهيمن على أمه وأبيه فاعتقد بداية بأنه ناتج عن مشاجرة زوجـيّة بينهما سرعان ما يحلانها دون تدخُّله. ولكن تهامس الزوجين المتكـرِّر وتدقيق والده في مجموعة أوراق مبعثرة بينهما ومغادرة والده بانفعال دفع بجودت للاستفسار عما بهما، فأخبرته أمُّه بأنَّ عَـمَّـهُ وزوجة عَـمّـه جاءا بالأمس كي يبلغاهما رفضهما لزواجه من فريال.

 اعترته موجة غضب داخلي وعاد يكمل حلاقة ذقنه بسرعة وعصبية ويتذكّر تلك النظرات الغريبة الساخنة من عـمِّـه في مناسبات سابقة. ولكنه كان يعزو ذلك إلى انتقاداته المتكررة لطريقة عمه في إدارة المصنع. دون أن يعرف بأن عمه لن يزوجه ابنته لأنه في نظره مُجرّد طفلٍ مسيحي تبـنَّـاه شقيقه السيد عبد الرحمن وزوجته السيدة إشتياق حين كان رضيعاً من عائلة مسيحيّة ريفـيّة. 

حين أنهى جودت استحمامه عاد وجلس على المقعد الذي كان يجلس عليه والداه وراح يشاهد مسلسلاً تلفزيونياً، وبينما هو يضع سيجارته في المنفضة لفت نظره أوراق كثيرة نسيها والده هناك، وصورة لطفل رضيع وشاب ثلاثيني طويل نحيل يحمله بين ذراعيه لا يشبه والده الحالي. ولكن صورة الرضيع تكاد تكون مطابقة لصُورٍ التقطها له أهله في طفولته ولا زالت بمعظمها إما مُعـلّـقة على الجدران أو موضوعة بعناية على طاولات صغيرة في بيت عبد الرحمن النعيماني. 

ثم انتقل إلى الأوراق ليتبـيّـن له بأنــّـها تخصُّ إجراءات تبـنِّـيه، وبأن اسمه الحقيقي هو مارسيل جريس المنسي. دارت به الدنيا لهذه المفاجأة فنادى على أمه واستفسرها ففوجئت بإمساكه لأوراق لا يجب أن يعلم بمضمونها، تردَّدت في البداية لإخباره بالحقيقة ولكنها عادت واخبرته بأنــّـها ووالده كانا يخضعان للعلاج من العقم. ثم تبـنَّـياه سِرّاً حين كان في شهره الثالث وسافرا إلى فرنسا بحجَّـة العلاج وعادا بعد سنتين و بشَّرا كل العائلة والأقارب بأنــَّـهما أنجبا صبـيَّـاً.  

- أفهمُ منكِ بأن التبـنِّـي سرَّاً هو سبب رفض عمي لزواجي من فريال ؟

- هزّت برأسها : عَـمُّـك فرحات فقط هو من يعلم بسرِّنا ، وهدَّدنا بكشف السرِّ، و نحن لا نريد بعد كل تلك السنين أن تعرف الناس، وخاصة أقاربنا، بأنــَّـنا كُــنّـا نكذب... وبأننا لم ننجب.  

ثم سكتت ووضعت راحتيها على عينيها وأمالت برأسها إلى الأمام وأجهشت بالبكاء .

شعر بانفطار قلبه على تلك الأم الطيبة، انتظر قليلاً ثم سألها :

- من هم أهلي الحقيقـيِّـين يا أمّـي؟  قرأتُ كلاماً على الورق لا أريد أن أصدّقه، أخبريني بربّـك يا أمي !.

أمسَكَتْ رأسها براحتيها ومالت على كتفه واحتضنته ترجوه أن يرفقَ بحالها ويرحمها ويعفيها من عبء يُـتعبُ قلـبَـها ويزعل أبيه. حين تسارعت أنفاسها خاف عليها وتركها تستريح. جلس يتفكّر ويُعيد حساباته ويستعرض شريط حياته مع أبٍ ليس بأبيه، وأمٍّ ليست بأمّه ، ولكـنّه لم يشعر بالغربة عنهما يوماً، أو بنقص حنانٍ من أيٍّ منهما. 

نهضت السيّدة إشتياق برأسها فرأت "وحيدها" غاطساً في مستنقع هَـمٍّ وغـمٍّ فخافت عليه بدورها وقـرّرت أن تفعل ما يرضيه، أيٍّ كان، أيّ شيء يُرضيه شرط ألا تفقده فاستأنفت تخبره طوعاً بأنّ ذلك الحدث وقع منذ خمسة وعشرين عاماً ، وبأنها حسبما عرفت فإن والده الحقيقي اسمه جريس، قَـتلَ زوجته ودخل السجن وفـرَّ منه. ازداد وجه جودت اكفهراراً حقداً على والده الحقيقي قاتل أمّه الحقيقية. 

- أين هو جريس الآن ؟ أتعرفين ؟

- كما قلت لك، قيل لنا بأنــّه فرّ من سجنه وسافر إلى البرازيل. ثم أمسكت بالأوراق ولـمَّـتها بسرعة وارتباك ورجت جودت إلا يخبر والده بأنــّه عرف ما عرفه منها. وعدها، ولكـنّه أصرّ على الاحتفاظِ بالصّورة فقالت له يمكنك عمل نسخة عنها وإعادة الصورة الحقيقية. لا أريد مشاكل مع أبيك.

صارت حياة الملازم جوت النعيماني مشطورة نصفين، ما قبل اكتشافه لتبنِّـيه وما بعده، فصار يقضي معظم وقته متأمِّـلاً تلك الصُّورة، متخـيِّـلاً كيف يمكن أن يكون وجه والدته التي أخبرته أمّه الحالية السيّدة اشتياق بأنَّ والده جريس قد قتلها.

 في اليوم التالي كان الملازم جودت في السجن يتفقّد وجوهَ الواقفين في طابور من ستين سجيناً. توقّف عند وجهٍ يألفه وتساءل أين رآه، تذكَّـر، إنــّه وجه "جريس" . إنه والده قاتل أمه. تساءل بِـحيرةٍ وصمت: "من المفروض أنَّ جريس مسافر" حسبما قالت له أمّه. أطال التحديق في وجه جريس ثم أكمل حملته التفقُّدية وعاد إلى مكتبه بسرعة كي يتأكد من هوية صاحب الوجه المألوف. الجزء الثاني غدا

راجع قائمة أسماء المساجين، عجباً ! هذا هو اسم "جريس المنسي" . فتح خزنة ملفّات المساجين وأخرج منها ملفّ جريس. تأمل صورةً قديمةً للسّجين يوم دخل السجن، قارنها بالتي معه فعرف أباه الحقيقي. ومنذ تلك اللحظة صار يساوره انفصام بين الرغبة في الإنتقام من جريس لقتله أمّه وبين التعاطف معه كونه والده. لم يعد جودت ينام كما يجب ولا يأكل كما يجب . تنتابه أحياناً موجة غضب فيقـرّر التوجّـه إلى زنزانة جريس للقضاء عليه، ثم تبرد هِـمَّـتُـه حين يعتريه شعورٌ غريب من التعاطفِ مع ذلك الكهل الضعيف. 

في غمرة ترنّـحه روحـيّـاً، تمنى جودت النعيماني لو تمكن من التحليق عبر أثير الزّمن، عائداَ إلى أشهر طفولته الأولى، تخـيَّـل وجهَ أمّـه الحقيقية المظلومة وقصد الزنزانة حيث يرقد جريس، أطلَّ عليه بنظراتٍ غاضبة ارتعدت لها فرائص السجين الذي ازداد انقباضُه وانزوَاؤه كما لو كان يحاول الإختباء والتبخر كما يفعل حين يدخل عليه السجان. دخل جودت عليه وراح يتفرّس به، وبينما هو يحدجه كان يقرأ ملامح التشابه بينهما، ويتأكـد من أبُـوّةِ جريس رغم ما تركته أقلام السنين على وجه السجين من تغضُّن، وفي جسده من نُـحول. سأله عن اسمه فردَّ جريس بصوت واهن مُعـرِّفاً بنفسه. وحين التمعت عينا السجين البائس سرى في عروق الضابط تيارُ صلةِ الرّحم وكهرباء حنينٍ مُـفْـتَـقَـدٍ ما أحسَّ بمثلهما قبلاً.

بعد مرور اسبوعين على تعارفهما ولقائهما اليومي، وبينما هما في جلسة صباحيّة اعتادها كُـلٌّ منهما، ولكنها طالت هذه المرة أكثر من سابقاتها، حيث أيقن الضابط خلال "استجوابه لسجينه" من انتفاء صفة القتل العمد، ولكنه يرغب في سماعها صريحة من فم جرجس. تفرّس الضابطُ ملـيّـاً بملامح الكهل الشّاحبة ثم سأله فيما إذا كان متأكداً من أنــّه لم يقصد قتل زوجته فردَّ جريس : "لا يابني ، والله لا ". ثم اشتكى له بعباراته البسيطة الـمُبَسَّطةِ عن جدوى العمد وغير العمد بعد ترمُّد أجمل سنين العمر. وعما سيعوِّضه عن خمسة وعشرين عاماً نعست شموعُها في السجُّون، مضت وئيدة ثقيلة بينما هو حيّ مـيت في عتمة هذا القبر الـمُسَوّر بالصخور السوداء كعتمة أيّـامه، تزدادُ اسوداداً كُـلّـمـا جالت على شاشتي عينيه صورةُ طفله. 

استشار الضابط صديقه المحامي للتحقق من وضع جريس، وكان يحضر بعضًا من جلسات المحامي مع جريس، تلقائـيّـة كلام السّجين الكهل أكدت للمحامي وللضابط الشاب قضيّة "القتل غير العمد" فأجَّجت جينات تواصليّة انـبَجَـست من عيني الضابط على شكل موجات لامرئـيّـة في ذلك الفضاء الحزين، وانفلتت كبهرة نيزك عابر لتضىء على حقيقة التماثل حتى التطابق بين اغتصاب الجسد واغتصاب الإرادة، وبين خطف حريّـة الفرد وخطف أنفاسه، وشعر بظلم فادح طال هذا الوالد الذي حُوكِـمَ على أساس اقترافه لجريمته عمداً، بينما كل المؤشّرات والمعطيات تدلُّ على أنــّه قَـتَـل عن غير عمد، بناء على تقرير المحقق . 

على مهلٍ ستنزل فقاقيع انبجاس التواصل الروحي: حمراء ، صفراء، خضراء، زرقاء، بنفسجية وبرتقالية ليصمِّم الملازمُ جودت على رفع توصية إلى مرجعيّته بغرض إعادة محاكمة سجينه. نفث دخان لفافته ثم سأل سجينه الشاحب المرهق :

-  لو كان ابنك مارسيل على قيد الحياة لكان في منتصف عشريناته ، على ما أقدر .

بتوقٍ يُـلامس تخوم الحلم وحدود التوسل في أن يكون هذا الشاب الذي يطرح السؤال هو ابنه مارسيل، فلش الكهل شعاع عينيه المتعبتين على وجه الضابط، وكانت كل ذرة من ذلك الشعاع تبوح بالعرفان لحسن اهتمام الشاب بوضع سجينه البائس، وفي غمرة تداخل ذرات شعاعِ نظرات الكهل الأبويــّة المنهكة مع خلايا وجه الشاب، وبحدسيةٍ وتبصُّرٍ بالملامح المتشابهة بينهما وجهاً وقامة ونبرة صوت، سيرد الكهل على سؤال الملازم عن عمر مارسيل التقريبي فيما لو بقي حـيَّـاً : " بعمرك تقريباً ". كان في الشهر الثالث من عمره حين سُجنت. قيل لي يومها أن طفلنا قد توفي بداء الحصبة.

حار الملازم بما سيقوله له، هل يُعـَرّفه بنفسه بأنه هو ابنه مارسيل. لا . ليس الآن . لن يخبره الآن ، ليس قبل أن تردّ عليه مرجعيته بالخبر اليقين بخصوص الموافقة على طلبه لإعادة محاكمة أبيه تمهيدا لإطلاق سراحه.

في لقائهما الأخير كسجين وآمر سجن، وبعد أن حصل الضابط رسمـيَّـاً على أمر استثنائي من مراجع عليا لإطلاق سراح جريس اتّـجه نحو الزنزانة وبشَّره : 

- جاءني أمر بإطلاق سراحك يا ... عَــمّ ! 

بانكسار سيجيب الكهل : ولكن إلى أين أروح وأين أقيم ؟ لا قريب لي ولا منزل ولامُحِبّ، حتى أقاربي صاروا مع الدهر عليّ ، لقد صار بيتي ملك والد سارة.

لبث جودت قبالته متأثّـراً ينظر إلى شفتي سجينه المرتعشتين، حيث كان الأب البائس مُحلِّـقاً بخياله مسافة خمسة وعشرين خريفاً أعجف، يعوم في سنين لذعت حشاشة خافقه بمرارة الصرخة في بريــّـة تعجُّ بالذئاب والضباع الشرسة الصـمّاء البكماء إلا عن الواسطة والنفوذ ووصم البشر حسب هويّـاتهم. مكثا واجمين متسمرين تحت وقع ثقل الخطب يتحاوران بصمت بتلميح يلامس تخوم الحنجرة ويعود بانكسار نحو سويداء القلب، ممتزجاً بعلقم الـجّور الطاغي.

عند تقاطع عجيج صمتهما سينبثق عهدٌ واعد من فم الضابط ليطمئن والده دون أن يُـعَـرّفه بعلاقته به بعد : 

- ستروح إلى بيت ابنك ! إلى منزل مارسيل !

بيت مارسيل؟ دمدمها الكهل المتعب بتساؤل الفرح الذاوي وبرنين جرس قديم رخيم. تردّد رجع أنينه في مهجة ابنه كندبة صوت آت من عمق أعماق الفجيعة. ما أوحى بأن السجين السابق صار على ثقة من مؤشِّر حدسه، ومن تجسيد حلمه بأنَّ من يخاطبه هو ابنه مارسيل، وبأنــّه سيقضي معه ما تبقّى من سنوات عمره. 

- ردَّ الضابط : أجل ! ستقيم معي ...

- هيه ؟؟ أنت مارسيل ؟؟؟ 

- أجل يا أبي ! 

ببرود غير متوقع تقبل جريس الخبر في البداية، قد تكون شدّة المفاجأة خلف ذهوله. بقي للحظات يتأمّل وجه ابنه ثم رمى جسده عليه وطوَّقه بذراعيه وعانقه طويلاً. شوهدا بعد ساعة من الزمن يغادران السجن ليعبرا بوَّابته وصخوره البركانية السوداء نحو السيّارة وضوء الشمس. حيث اتَّـجه الضابط بأبيه الحقيقي نحو منزل والده ووالدته الحاليين اللذين لم ينسَ، ولن ينـسى أنــّـهما أهله أيضاً، ولن يتخلّـى عنهما.

CONVERSATION

1 comments:

  1. مع خالص تقديري للصديق شربل بيني صاحب ورئيس تحرير مجلة الغربة على تكرمه باعتماد نشر هذه القصة

    ردحذف