من القصص المنشورة في كتابي بعنوان: "على صهوة حلم أبيض"/ محمود شباط



أين هو الخيط الأبيض ؟

9

كان الطّـبيب الشّاب أسامَـه الـزَّيْــنـِــي في مكتبه في الدّور الثَّـالث من مـصَحّ "الأمل لـلأمراض النفسية" يُـراجع مِلـفَّـات ثلاثة من مَرضاه. 

أكثر ما كان يشغل بال الدكتور أسامة في تلك الصبيحة هو حرجه أمام مرضاه وإدارة المصح في حال فشل رهانه، إذ أنه كان قد حدَّد موعداً لخروج الدكتور/ منذر الورَّاق الذي اختار لنفسه لقب "أفـلاطـون" أثناء وجوده في المصح، والأستاذ / سعيد السّاقـي "الـمُـتَـنَـبِّـي" ، والأستاذ/  رايق الألْـوَحْ "نـابُّـولـيـون" قبل نهاية رأس السنة، شرط استمرارهم في تناول دواء الـ "أولانـزبـيـن" لمدة شهر، ولمراجعة دَورية كل ثلاثة أشهر، إلى أن يتقرر مصيرهم بشكل نهائي. .. ولكن .. حدث ما لم يكن في حسبانه ، وحسابات حقله خذلت حسابات بيدره.

وبينما هو يبحث عن مخرج يبرر تراجعه عن قراره بالسماح بخروجهم من المصح بعدما حدث أمس، حين سَـمِـعَ هَـرجاً آتياً من باحة المصح، عرفَ صوتا المتشاجرين، إنــَّـهُـمـا  "الـمُـتَـنَـبِّـي" و "نـابُّـولـيـون"، فاتّـجَـه بِـسرعـةٍ صوب النافذة الـمُـطِـلّـة على الباحة. رأى "أفـلاطـون" يُـحاولُ الـفَـصلَ بين الـمُـتَشَاجِـرَيْـنِ فَـهُـرِعَ من فوره نحوهم وسأل عن سبب المشكل.

ردَّ الـثلاثَـةُ في وقتٍ واحد بِـفوضويةٍ وتشوُّش وتداخلٍ لم يَـفـهم الدكتور منهم كلمةً واحدة، رجَـاهُـم الهدوء والـجلوس كي يتسنَّـى لـه معالجة الـمـشكلة :

-  ما الذي حدثَ بالضبط  يا أفـلاطـون ؟ سأل الدكتور أسامه بصوت مخنوق مترع بالخيبة.

- حسناً ، دَعْـني أقول لكَ بصدق وصراحةٍ بأنَّ الـحَقَّ على "الـمُـتَـنَـبِّـي" هذه الـمَـرَّة .

- أنت فقط قل لي كيف سارت الأمور!

- تشاجَرا أمس، كانا كلاهُـمـا يُـخطط في الليلة الـمـاضية للهروب من كُـوَّةٍ فـي سقف الـمهْـجَـع، تَـعرفـها أليس كذلك ؟

- بـِحيـرَةٍ مِن أمره قال الدكتور : "أكمل !"

-  اتفقا على أن يُـمسكَ أحدُهُـمـا بفانوسٍ يثبته على الأرض بوضع قائم ويُـسلّـطُ شُـعاعَـه نحو السقف كي يتسلّـقَ الآخر على الشعاع، ولكـنـهـمـا اختلفا على من سيصعد أولاً، كلّ مِـنهُـمـا يريد الصعودَ أولاً، وَبعد جَدلٍ طويل عقيم تَـخلَّـله كلام نَـابٍ وشَتـائـم وتدافعٍ وافَـقَ "نـابُّـولـيـون" أن يصعدَ "الـمُـتَـنَـبِّـي" أولاً، غَـيـر أن الأخير ظِـنِّـيـن وشَـكّاك بِـطبْـعهِ فَصرخ بـِـنـابُّـولـيـون بارتيابٍ وغضب:

- كَشَـفْـتُكَ أيّـها الـخَبيث الـغدّار، عَـرفـتُ بأنك لم توافقَ على صعودي أوّلاً إلّا لِـكَـي تَـقتلني، أنا مُـتأكدٌ بأنــَّك كُـنتَ سوف تُطفيء الفانوس بـينـمـا أنا في منتصف الطريق صعوداً. أليس هذا ما كنت ستقدم عليه ؟

- وماذا حدث بعدها ؟

- لم ينفع قَسَمُ نـابُّـولـيـون بـحسن نِـيّـته وبـأنَّ مسألـة إطفاءِ الفانُـوس لم تـخطر بـباله، ثُـمَّ.. .. بَـعدَ تفكير.. بدا لي بأنه استوعب المقصود. عَـلا زعِـيـقُه أكثر من ذي قَـبل وهَـدَّد بأنــّه بالـتـأكيد سوف يَـفْـعَـلــهـا فـي الـمَرّة الـقـادمة حِـين يَـتَسلّـق الـمُـتَـنَـبِّـي شعاع الضوء.

- آه! ما هو رأيك أنت ؟ سألَ الطبيبُ

- ردَّ أفـلاطـون مُـبتَسِـمـاً بِـخَـيْـلاء الـعَـالِـمِ الواثِـقِ مِن عِـلْـمِـهِ وبأنــَّه أذكى من زميليه : كِـلاهُـمـا بِـرُبْــعِ عقلٍ .. أو أقل رُبَّــمـا، لا يُـحسِنان الـتصرّف ولا يُـجيدان الـتفـكير، لو عَـاد الأمرُ لـي لَـوَضَعْت شَـريطاً لاصِـقاً على زِرِّ الفانُـوس لِـضَمـان اسْتِـمْراريّــة الشُّـعَـاع.

كَـتَـمَ الدكتور ابـتسامَـتـه الحزينة وكرر سؤاله :

- قصدت بسؤالي أن أعرف رأيك عن سبب تردي وضعهما بعدما كانا يتكلمان ويتصرفان بحكمة طوال الشهر الماضي؟

- قد يكون السبب هو تغييرك للدواء الذي تصفه لنا نحن الثلاثة.

لم يكترث الدكتور لتلك الملاحظة التي اعتبرها ساذجة ورغب في إجراء اختبارٍ لمرضاه فـخاطَـبَ "نـابُّـولـيـون" :

- فَـلـنَـنْسَ الـزَّعـل والضَّـغـيـنة يا صديـقي! لو لم تكن نـابُّـولـيـون من تَـتَـمنَّـى أن تَـكون ؟

- " شَـارِلْ فِـيـلُـو" . أجاب "نـابُّـولـيـون" بعد تَـفكِـير. 

عَـبـسةُ الدكتور أسامه الاستِـغْـرابـيَّـة ومطُّ الشفتان منح "نابوليون" فرصة إبـراز مواهبه وشَـرَعَ الـتوضِيح بِـتَـبَـاهِـي الـمُصابِـين باستِـعراضِ قُـدُراتِـهِـم الـمَعلومَـاتِـيّة  بِـمناسَبةٍ وبِـغَـيـر مُـناسَبة :

- " شارل فيلو.. يا سادة يا كرام ! رسَّامٌ بَـلجِـيـكِـيّ وُلِـدَ في عام 1830 دُونَ ذراعَـيْـن، وحين شَبَّ وذاعَ صِـيـتُـه كَـأحَدِ أشْـهَـر رسَّامِـي القرن التاسع عشر، رَسَـم بأصابِـع قَـدَمِـهِ لَوحـات فَـنّـيـة رائِـعة ومُمَـيـّزة، ورَحَـلَ عن هذه الـدّنـيا في العام 1900. 

أكْـمَلَ "نابوليون" : " كان فِـيـلُـو يَـشعُـرُ بالـبَـهـجَـة والـفَـخْـر كَـونَـهُ صافَحَ بِـقَـدَمِـهِ الـعَدِيـدَ من أيْـدي الـمُـلوك، أحَـدُهُـم الـملك لِـيُوبُّـولـد الـثَّـاني مَلِـك بلجيكا الذي قال بأنــّه يَـعتـبر مُصافَـحَـته لِـقَدَمِ شَارل فِـيـلو مِن أسْـعَـدِ وأحَـرِّ وأمْـتَـعِ الـمُـصافَحـات الَّـتـي عَـرَفَـهـا في حَـياته.

شَـكَـرَهُ الدكتور وسَألَ أفلاطون : وأنت يا أفـلاطـون ؟ من تَـتَـمَـنَّـى أن تَـكون ؟

- لَـو كُـنْـتُ امرأة لَـرغِـبت في أن أكون مكان تِـلكَ الـفَـتـاة الأميركية إلـيـزابـيت بـلاكـويـل، التي بِـفَضلِ صَلابَـة إرادتـهـا وتَـصميـمها تَمكّـنت من أن تُـصبح أول طـبيـبة في العالم.

- أوّلُ طبـيـبة في العالم ؟!! 

- أجل ! حِـيـنَ أكْـمَـلت الآنـسة بـلاكْـويـل دِراسَتـهـا الـثـانَـويّـة عام 1844 تَـقدَّمتْ بِـطلبٍ لِـدراسة الطبّ. كـان ذلك الطَـلب غَـريـبـاً ومُستَـهْـجَـنـاً في حينه، بَـل ومُستَـحيلاً، ورُبَّـمـا لِـهـذا السَّبـب لـم تَـردّ إدارةُ الـجّـامعةِ عَـلـى الطلب.

أكْـمَـلَ أفـلاطـون : لَـم تَـسْتَـسْلِـم إلـيـزابِــيت، ولـم تَـيأس، إذ تَـقدَّمَـت بِـطَـلَـبٍ آخَـر إلـى جامعةٍ أخـرى حيث جـاءَها الـرَّفـضُ الـثَّـاني، مَـا زادَهـا إصْـراراً عـلى السّـيـرِ بِـمِشْوارِهـا إلـى آخِـرهِ، فَـتقـدَّمَتْ بِـطَـلَـباتٍ إلـى الـجامِـعـات الـعَـشْـر الأخْـرى الـمُتوفّـرة في الولايات الـمُـتحدة الأميركِـية في ذلك الوقت. وبَـعدَ انـتِـظَـارٍ لَـم يَـطُـلْ كَـثيـراً، وَرَدَ خِطَـابٌ إلـى إلـيـزابـيت بـلاكـويل مِـن جامعةِ جِـيـنيفـا بـولايَـة نْـيويُـورك يُـفـيدها بِـأنَّ : " عِـمَادَةَ الكُـلّـيةِ ، وبَـعدَ نِـقَـاشَاتٍ مُستَـفـيضةٍ رأتْ الـعِـمَادةُ بأنــّه لا شَـيء يُـمكن أن يَـحولَ دون دراسة الأنْـثـى لِـلطُبِّ طَـالـمَا أنّـها قَـد أنْـهَـتْ دراسَتـهـا الـثَّـانَـويَّـة" .

- "وهَـل استطاعت التخرُّج وإيـجاد عَـمل لَـها ؟" استفسر الدكتور أسامه .

- هذا ما كنتُ سأخبركَ بِـه ، إذ بَـعد تَـخَـرُّج الـفَـتَـاة من كُـلّـيّـة الطُبِّ كَـأوَّلِ طَـبـيـبةٍ في الـعَـالَـم عَـانَـت كَـثـيـراً فـي رحْـلَـتِـهـا الـمَزروعَـةِ بِـشَوكِ الـتَـفـرِقَـةِ بَـيـن الـذَّكـَرِ والأنْـثــى، ولكـنَّـها حَـقَّـقَتْ حُـلْـمَـهَـا بَـعْـدَ حِـلْـمِـها بـإنْـشَاءِ مُستشفـى للـنِّـساء والأطْـفال" 

الجزء الثاني غدا إن شاء الله

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق