من مجموعتي القصصية "على صهوة حلم أبيض"
العبرة: في حالات معينة نجد حيوانات أوفى من بعض البشر وتدرك أكثر منهم.
اقْـتَـعَـدَ "سُـرُور" الأصمّ الأبكم صخرةً تحت خيمته البدائية الدائمة التي نصبها على شاطىء البحر كي تقيه حرارة الشمس بينما هو يصطاد السمكَ ليعيل زوجته وأطفاله. يرافقه في عمله كلبه الذي كان يشرع بنباحٍ غريب حين يلمح رأس بشريّ على مبعدة أمتار في البحر، يعوم الرأس في النهر للحظات كما لو أنه كان يراقب سلة سرور الخالية من السمك ويشفق عليه، ثم يختفي غاطساً في الماء بعد أن يرشقه سرور بالحصى.
في صبيحة اليوم التالي الباكرة نبح الكلبُ حين تنسّم رائحةَ سمكٍ في مكانٍ قريب، اتّـجـه نحو مصدر الرائحة، وجد سمكةً حَـيّـة تُـحرّكُ زعانفها ورأسها فأحضرها إلى صاحبه الذي قَـلَّبها وفحصها ثم وضعها في السلة مبتسماً مبتهجاً وربّت على رقبة كلبه.
تكـرّرت رحلات الكلب فصار يغيب لفترة من الوقت ثم يعود كل مرّة بسمكة طازجة حـيّة ويضعها في السلة. فأضحى الكلب يصيد من السمك أكثر بكثير مما يصيد صاحبه.
رمىى سرور الصنارةَ ومكث ينتظر اهتزاز خيطها كي يكمل تعبئة سلّـته، وبذات الوقت يـتـمنّى لو يتمكّن من اصطياد صغير القرش الذي قِـيلَ بأنه يجوبُ المنطقة فيخيف رُوّاد البحر للسباحة والتنـزّه، وكذلك الصيادين، ولكي يثبت الصيادُ لزملائه الذين يسخرون منه كونه أصم أبكم هو أمهرهم وأشجعهم، وكذلك للانتقام من القرش الذي ينافسه في صيد السمك في تلك المنطقة.
في صبيحة باكرة أخرى كان بهيرُ الضّوءِ يزداد ذهبيةً إيذاناً بنهوض قرص الشمس من خلف الجبال. موج مياه البحر ينساب برقّـة وعذوبة كما لو كان يرقص ببطء على ألحان شبابة النسيم البحري. أطلّ من الماء رأسُ فتاةٍ جميلة جداً، تبيّـن لسرور حين غطست بأنّ نصفها الأسفل سمكي وليس بشري. فاجأه المشهد فارتدّ إلى الخلف وتشبّث بكلبه. لقد رأى قبلاً العديد من مخلوقات البحر ولكنه لم يَـرَ حوريةً سمع بها، وظنَّ بأنــّها من بنات أفكار من رواها له.
مُجدَّداً مرَّت الحورية من هناك. أطلّت من أهازيج حفيف الموج الخفيف وزبده الناعس، بيضاء حلوة صبوحة الـمُحيّـا. غابت عن ناظريه ولكن صورتها ظلت ماكـثةً على شبكـيّـته دون صنارته. رمى الصنارةَ بسرعةٍ وعجل أملاً في اللحاق بها وصيدها. لبث يحدِّقُ في دوائر المكان الـمُـزبد الذي كانت فيه وغاصت في الماء بينما هو بِـحيرةٍ يُـتـمتم متسائلاً ويفرك عينـيه.
روى سرور للآخرين بالإشارة ما رأى. أو ما ظنَّ بأنه رأى. ضحك السامعون، حتى أصغر أطفاله ابتسم بخبث. وحين يئس من عدم تصديقهم لِرِوايته صار هو نفسه يميل للتشكيك بصحّة الحدث. مُعزِياً ذلك إلى ما أشيع عن القرش الشرس الذي قضمَ شبكة صياده الأبكم ونفذ منها ثم ارتدَّ نحوه ليفترسه، وبأنه لا يزال يجوب منطقة الضِّفاف الصخرية.
في يوم آخر. كانت شمسُ الربيع تبثّ دفقاً من الـدِّفء الحميم. والبحر يتألّـق بجلبابه الأزرق الصّقيل النقي كعريس في صبيحة زفافه. مضت ساعتان فـَقـَدَ سرورٌ خلالها الكثير من الطعوم دون طائل، إذ كالعادة كان ما يتوفر في سلته من سمك نتيجة جهد كلبه. ثم فجأة، وعلى بعد أمتار قليلة تحت الماء ظهر مخلوقٌ مائـيٌّ يقارب حجم القرش الصغير. تأكدَ منه سرور وتابع مراقبة الوحش البحري بمزيج من الهلع والتصميم لاصطياده بينما هو يمخر المياه بسرعة مُتعقِّـباً طرائده. ولكن حين رشقه سرور بحصاةٍ أصابَـتْهُ انعطف الوحش بسرعةٍ صوب الصيّاد الذي هلع وسحب الصنارة بارتباك من الماء خائفاً، بينما ابتعد الوحش ملاحقاً طريدته وغطس صوب المنطقة العميقة.
بُـعَيدَ دقائق عادت المياه إلى هدوءها، ونبضات قلب سرور إلى القريب من معدّلها. كما عادت إليه شجاعته وقراره بالتحدي، رمى طعم الصنارة في الماء مجدّداً ومكث ينتظر، ثم بدأت المعركة الحاسمة. تقوّست القصبة وتوتّـر خيطها وارتعش بشدّة غير معهودة. جذبها سرور، بل حاول جذبها ولكنه لم يـُفلـِح . كان الصيدُ ثقيلاً كما لو كان عدّة رجال يشدُّون به إلى الأسفل.
ارتعدت فرائص الصيّاد لافتراضه بأنَّ القرشَ الشرسَ يناور لاصطياد صياده. تشبّـث بالقصبة بقوّة الخائف الـمُرتعب المرتجف بينما طريدته تصارع بقوّة وعنف ثم شدته نحوها فانزلقت قدماه، وكاد يهوي نحو فَـكَّــي طريدته حسبما اعتقد، توقّف عن الإنزلاق حين انقطع الخيطُ وفرَّت الطريدةُ مبتعدةً، فنبح الكلب.
بيدين مُتوتّرتين مرتجفتين ووجهٍ متجهّمٍ غاضب مصمِّمٍ على الانتقام، استبدلَ سرور خيطَ القصبة باثنين، جدل أحدَهما حول الآخر، ثم شبك في نهايتيهما الخطّـافَـين الكبيرين وتمترس خلف صخرة مُسنداً قدميه إليها بتوتر. مكث ينتظر ويراقب، إلى أن رَصَدَ ظلاً يقاربُ القرش حجماً على عمقٍ ضحلٍ يجوب المياه.
وما هي إلا لحظات حتى حانت ساعة الحسم حين انثنت القصبة بسرعة وبتقوُّسٍ نصف دائري كاد يؤدي إلى انكسارها. خمَّنَ سرورٌ بأن الصيدَ ابتلع الطعم. ثبت في موقعه كي لا يجرّه الوحشُ نحوه. شرع بمناورته، الوحش البحري يقترب قليلاً ثم يبتعد فيشدّه سرور بقوة ثم يرخي الصنارة بحدود مدروسة حين يشعر بالخطر بأن الوحشَ يشدّه نحوه في حركاته العنيفة السريعة وهو يدور ويغطس ويطفو ويصعد بانعطافات حادّة وعنيفة وشرسة أربكت سرور وضعضعته، وكاد يـُـفـْلتُ القصبةَ لو لم تهدأ الطريدةُ فرجَّحَ بأن يكون الوحش البحري قد دخل في طور الاستسلام.
تنفّس الصيّاد الأصمّ الأبكم بارتياح مَنْ مَرَّ بقطوع وظنَّ بأنــّه نجا من عواقبه، ثم بدأ الجذبَ باحتراس خوفاً من أن يغدرَ به القرشُ وينهش قدميه حين يصل إلى مقربة منه. تغيّرت صورة طريدته الآن. الطريدة ليست سمكة قرش. بل حوريّـة البحر الجميلة.
مكث يشدُّها شِبراً شبرا نحوه فيتبدَّل مشهدُها مع اقترابها أكثر فأكثر. اتضحت ملامِحُها، إنها الحورية الصَبوحة التي ذكر بأنه رآها سابقاً وشكّك السامعون بروايته، وشكّك هو بنفسه حين رواها. هي الصّبوحة بعينها. بل بعينيها الحلوتين جداً، وشعرها الأسود المبلل، ووجهها الأبيض الجميل كما لو أنها غادرت للتو يَـدَي مُزيِّـنٍ ماهر محترف.
ركَّزت نجلاويها نحو صيادها تستعطفه، ثم رفعت ذراعيها الجميلتين الشمعيتين في الهواء كجناحي يمامة كبيرة مستسلمة. اطمأن لأسرها حين رأى خطّـافاً مُنغرزاً بكتفها، ربط الخيطين بخرم صخرة قربه. ثم استلَّ سكينه ذات النّصل الحادّ من غمده في حزامه الجلدي وأومأ لها أن تقترب فامتثلت، وصارت تتجه نحوه ببطء شديد وبارتعاب المحكوم بالإعدام من شفرة المقصلة، ثم حوّلت ناظريها ورنَتْ مطوّلاً نحو الكلب ثم نحو السلة التي يجمع فيها صيده، لم يفهم سرور بأنها هي من كانت تصطاد السمك وتضعه أمام الكلب الذي ينقله إلى سلة سرور. استنفر الكلب وشرع بنباحٍ عال ومتواصل.
لو أدرك سرور ذلك لما أصر على ذبحها انتقاماً منها لاعتقاده بأنها هي من كانت تنافسه في صيد السمك، استلّ سكينه بحزم وعزم المصمم على الـذّبح، وشرع يهمهم بشماتة المنتصر ويجذب طريدته بعنفٍ وقسوة. فاجأه الكلب باختطاف السكين من يده وقفز إلى الماء ثم شرع في قطع الخيط كي يحرر الحورية.






0 comments:
إرسال تعليق