ليل الدم على الأكف/ محمود شباط



هذه القصة الثانية بعنوان "ليل الدم على الأكف" من أصل مسلسل من ثلاث قصص نشرت في مجموعتي القصصية بعنوان "على صهوة حلم أبيض"، الأولى نشرتها بعنوان "رحلة عمل في الصحراء" ، وهذه الثانية، والثالثة بعنوان "حظوظ ملونة" سوف تلي هذه القصة.


13

وَضَّبْتُ حقيبتي ووضعتها في السيارة تمهيداً لانطلاقي في رحلة عمل جديدةٍ من مدينة الخُبَر إلى منطقة "الشيبة" في الجنوب الشرقي لصحراء الربع الخالي. كعادتي قبل السفر، وكسباً لثواني النوم اللذيذة في الصباح، جهزت ركوة القهوة كي أحتسيها خلال جلستي على شرفة سكن الشركة غدا صباحا بغرض"الصحصحة"  كي لا تعاودني دغدغة النّعاس. 

في تلك الأمسية كانت السماءُ تُـطَـرِّزُ عباءة الليل نجمة جمة، كأمٍّ تضيىء شموعَ كعكة عيد ميلاد طفلها، شمعة شمعة. على ضوء القمر وقناديل السّماء الوامضة باستحياءٍ في البعيد البعيد، لم أستطع النوم، انطلقتُ وفي البال أن أعَرِّجَ في طريقي على جهانجير، الشاب الآسيوي الذي التقيته خلال رحلة عملي السابقة.

قبل أن توسع السلطات المختصة وتطور الطريق بين مدينتي الـخـُبـَر والهفوف، كان لتلك الطريق السريعة اسما آخر، قد يكون الأنسب هو ليل الدمِ على الأكفِّ والـجِّـِمالِ السائبة والشّباب المتهور الذي يقود بغرور الـ "أنا هنا" وباستفزاز وذهنية  الـ "طريق لي". الليل نفقٌ طويل أسود لا نهاية له. وعلى شاشة الذاكرة تطوف ببطءٍ ملامحُ جهانجير المضرَّجة بالفقر، وكذلك مشهد سيارة الـ "فان" القديمة المهترئة البائسة التي يبيع فيها مرطبات وسندويشات، والتي كتب عليها بخط يده بالعربية بقدر ما يجيدها : "جهانجير ميني ماركت ، حلاق، ميكانيك".

عند شروق شمس صباح اليوم التالي قدَّرْتُ بأنّـي قد أصبحت على مقربةٍ من موقع "جهانجير ميني ماركت" قرب الصخرتين الشاهقتين المنتصبتين كشاهدين على تاريخ تلك المنطقة. في ذلك الهجير الصحراوي البرتقالي، قدرت بأن إطارات السيارة امتصت من إسفلت الطريق نصف الحرارة المرسلة من الشمس إلى كوكبنا.

استمرّيت في القيادة ورشف أكواب القهوة تباعاً. صوتُ فيروز يتماوجُ من آلة التسجيل كانسياب يمامةٍ صغيرة تعود من طلعتها الأولى. خفَّفتُ سرعة السيارة حين لاحت الصخرتان في البعيد، وحين وصلت المفترق المؤدّي إليهما انعطفتُ يميناً لمسافة قصيرة. هناك كان جهانجير رابضاً بسكينةٍ في الظلِّ الـمُترع بحرارة الرّمضاء الكاوية، وحين رآني هَبَّ ولاقاني مُلوِّحاً بيديه كجناحي طائر يصارع العاصفة.

في جلستنا الثانية تلك أخبرني جهانجير بأنه صار يحبُّ عزلته الموحشة، لفتني إلى ما غاب عن بالي بأن في الصحراء أيضاً جَمَالٌ لمن يرغب في رؤية الـجَـمَـال واستساغةِ نكهته، ثم أشار إلى جارَتيه الصخرتين الـمُعَـتَّـقتين بأصابع الزّمن الـمُزَخْرفَتين بريشة الـرّيح. أخبرني بأنه يجلس ساعات طوال يتأمّلها وينتزع من أشكالها صوراً حلوة تُعوّضه عن مرارة وحدته. 

وبينما هو يحكي كنت أصغي وأجول النظر بما حولي، افتقدتُ الطيور التي كان يخرجها من قفصها الكبير خلال النهار ويعيدها إليه قبيل الغروب. كما افتقدت المقطورة التي يضع عليها القفص فسألته عنها .

ابتسم بحزن وانكسار المغلوب على أمره . لَوَّحَ بيده بيأس فاقد شيء لا أمل برجوعه وقال :

-  اشتراها الوحش .

- مازحته : قد يشتريك أنت في المرة القادمة !

مال نحوي وهمس كما لو أنه يخشى أن تسمعه الصخرتان رفيقتا كثبان الصحراء : 

- أخشى وحوشَ البشر أكثر، ثم أخبرني بِـقِـصَّتة مع الرجل الـمُلتحي، قال لي : 

- يمرّ بي رجلٌ ملتحٍ محفوف الشارب. مرّة أعطيته ما طلبه مني ولكنه لم يدفع، تظاهر بأنه نسي محفظته في منزله ووعدني بالدفع لاحقاً ولكنه أنكر علي حقي حين عاد لشراء مرطبات في المرة الثانية. جاء أمس ، رأيته مُقبِلاً بسيارته "البيك آب". تشاءمتُ من زيارته ولم أرغب في التعامل معه فهرعت إلى داخل سيارتي وأقفلتها. وصل ودقَّ على السيارة بعنفٍ فلم أردّ . ابتعد قليلاً، بحث عن ماءٍ للوضوء فلم يجد، تَـيَـمَّـمَ بحفنة تراب، فَـرَدَ كُوفِـيَّـتهُ على الأرض، أدى صلاة المغرب، سلّمَ على الملائكة، مسح لحيته بِكَـفَّـيه، وقف، نفض كوفيته واعتمرها، ثم استدار متجهاً نحوي وبدأ يدقّ على السيارة بعنفٍ أكثر هذه المـرّة، أيضاً لم أردّ. سمعتُ وقع خطواته تبتعد، ثم، بعد لحظات سمعت منشارَه يعمل بقطع السلسلة المعدنية التي تربط عربة الطيور بسيارتي، قَـطَـرَها خَلْفَ سيارته. ، أجل سرقها، لو كنتَ في مكاني لخشيت وحوش البشر أكثر من الذئاب، أجل يا صاح!  وحوش البشر تأخذ الطيور وأقفاصها.

- "السّلبُ وثني وملحدٌ عابر للأديان" قلت له .

حدجني جهانجير باحتجاج، لم تعجبه كلمة "ملحد" ولكنه وافقني على فكرتي بِـهَـزَّةٍ من رأسه مرّات عديدة ببطءٍ وتأكيد.

في تلك الأثناء أقبلتْ سيارةُ بيك آب نحونا. قال لي جهانجير بأنّ القادم هو نايف ابن الرجل الذي وعد جهانجير بنقل كفالته. وصل الفتى واشترى ودفع وانصرف دون كلام سوى السلام.

حين ابتعد نايف قال لي جهانجير: لا أدري إن كان هذا الفتى يُصلّي أم لا ؟ لم أره أبداً يصلي رغم أنه كان يأتيني في أوقات الصلاة، ولكنه شريف مستقيم، يستدين أحياناً ويردّ لي الدين، في الأسبوع الماضي طلبتُ منه مساعدتي لنقل كفالتي فأصطحبني إلى حيث يقيم أهله. (أشار جهانجير بيده إلى غرفة تفتيش لخط أنبوب الغاز الضخم) وقال :

من ذلك المفترق انعطف بي نايف صوب مضارب قبيلته، كانت الظهيرة قائظة ، لمحتُ في سراب الصحراء، في البعيد البعيد ناراً ودُخاناً، اقتربنا أكثر فصرت أشاهد قطيع بعير وخيام بدو. وحين وصلناها أطلعتُ أبا نايف على مأزقي. رَقَّ لحالي  وقال لي بأنه سينقل كفالتي على حسابه دون مقابل على أن أتدبّر أمر عملي في "السوق". 

قلت لجهانجير مُحذِّراً : "أرى بأن تُبادله المعروف بالمعروف، قد يكون هذا الطيّب جاهلاً بأن جميله المشكور ليس نظامياً، ويُعرِّضكما معاً للمساءلة ولما لا تحمد عقباه، أو ما يعتبر في القانون "تَـسَتُّـر."

امتقعت سمرة وجه جهانجير، هيمنت عليه الخيبة بعدما كان قبل لحظات يشعر بأنه حُـرٌّ طليق كنسر يفرد جناحيه في الأجواء الرّحبة اللامحدودة، ينساب بطمأنينة على تيار هواء سَـخَّرهُ القدَرُ لحمله. احمرَّت عَيناهُ واغْـرَوْرَقتا، تشنَّجَتْ ملامحه بالضبط كما تغيّرت في المرّة الماضية حين تذكَّر مقتلَ أمّه على يد "استشهادي" قصد قتلَ "الكُـفَّار الصليبيين" ولكنه أخطأهم فقتل ربّـة منزل ويـَتـَّمَ أطفالها . ازداد ارتجافُ اليدين وارتعاش الشفتين وعضلات الوجه وصار يرمش بسرعةٍ ثم دمدم بكلمات سريعة : "وعدني "الرّجل الفِضّي" بإعادة الزمن إلى الوراء كي أرى وجهَ أمّـي.  

مع التبدُّل المفاجىء الطارىء على ملامح جهانجير ولهجته انتابني دوارُ التعاطف وقلق المترقب لخطب سَـيّءٍ فقرَّرت الانصراف.

وقفتُ واستأذنته فأمسكَ بطرف قميصي وشدّني بعنفٍ كي أجلسَ فجلستُ صاغراً وبدأ يهذي عن "رجل الفضاء الفضّي" الذي يجيء من السّماء كلّ يوم خميس، يسأله عَـمَّـا يريده ويلـبِّـي لجهانجير كلَّ ما يطلبه منه .

حاولت الوقوف بهدوء لأعتذر من جهانجير وأمضي في حال سبيلي قبل أن ينتفضَ ماردُ العنف والجنون. اتّـضح لي بأنّ قراري جاء متأخِّراً حين هدَّدني الشابُ بهدوء:

-  لن ترحل الآن، ولئن تحامقت فسوفَ يمسك بك "الرجل الفضي" ويعيدك لي مُكـبَّـلاً. 

- حسناً ، سأبقى معك. ما الذي يمكنني فعله من أجلك ؟ سألته .

- سوف نتسلَّق إحدى تينك الصخرتين ونصرخُ معاً كي نستعجل ظهور الرجل الفضَّي.

سَرَتْ كهرباءُ الارتجاف في كلِّ كياني لاستحالةِ وهَول ِتسلّـق صخرةٍ شبه ملساء، بارتفاع عمارةٍ بدورين. ولكنّي لم أتجرّأ على الرّفض. قادني عنوةً إلى أسفل الصّخرة حيثُ نقطة انطلاقنا المفترضة صعوداً، حاولتُ أن أجد ما أمسك به أو أسند قدمي عليه فلم أعثر على أي نتوء بها. تظاهرتُ بمحاولة التسلق وكنت أراقبه. كان يحاول مراراً وعبثاً الصعودَ ولو بارتفاع قدمٍ ثم ينزلق. توقَّف أخيراً حين أثخنته الـجِّراحُ فأشار علـيَّ بالعودة إلى السيارة انتظاراً للرجل الفضي الذي سيتولّـى رفعنا إلى قـمَّـةِ الصّخرة. 

في جلستي مستسلماً كأسير منهكٍ دون قيد في سيارة جهانجير، وتحت وطأة الغثيان والرعب ثقل جفناي وشعرت بدوار، ثم بنعاس. في تلك الهُـنَيهات شَـعَّـتْ في الـجِّوار هالةٌ فضّية داكنة تحوّلت إلى فضّيٍ فاتح فأبيض ببياض كفن. ظهر في وسط الهالة عملاقٌ يرتدي بـزّة رائد فضاءٍ فضِّية اللون.

في شبه غيبوبتي كنت أسمعهما يتحادثان . صوتُ الرجل الفضّي يدخل أذناي كرنين نحاسي منبعث من بئر عميق يستفسر جهانجير عن أيّ منا سيرفعه على الصخرة أوَّلاً ، وسمعت جهانجير يقول له كي يرفعني أولاً فصرخت بجهانجير بأني أفضِّل الموت على الأرض . لا تدع الرجل الفضي يرفعني إلى قمة الصخرة. 

صوت قوي من محرك شاحنة عابرة أفاقني من غفوتي القصيرة فاستقمت في جلستي مبعثراً تائهاً ، تفرَّس جهانجير بوجهي ، قهقه عالياً وسأل : "عن أيّ رجلٍ فضِّي تتحدّث ؟ "

أرثيتُ لحاله.. ولحالي أيضاً، عتبتُ على الزّمن. ورُويداً رويداً كان التوجُّسُ يُسدلُ ستائره مفضياً المساحة لبزوغ شمس الثقة من جديد. تفحص راحتيه، ضحكنا. مشيت ووعدته بالعودة مرة أخرى .


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق