رُبَّ أخ لـَكَ/ محمود شباط



 إحدى القصص المنشورة في مجموعتي القصصية "على صهوة حلمٍ أبيض"، مع بعض التعديلات.


13

حِـينَ وَلَـجَ بَـحرَ ثلاثيناته كَـوَتْـهُ جمرةُ الفشل الكلوي والغسْـل. اكفهرَّ وجهُ الأيّــام و دَجَت سحنةُ الدّهر، فَـقَـدَ عمله فانغمس في بحر البطالة والملل. يغادر المنزل لساعاتٍ لـتَـزجِيةِ الوقت عند صديقٍ أو قريب. حيث يجد هناك الكل يهذر مُردِّداً ما نقله الناس أو وسائل الإعلام عن مرجعه السياسي، الكل يتمسك بصوابية الرأي الذي يروقه ويتمناه.

مطارق عبثية السياسة تدقُّ على الجزء الألين من الدِّماغ، وتُـمَـهِّد الطريقَ للتصديق عن طريق القلب والعاطفة، حيث يتقاعد الـمخُّ والـمُخيخ وكل ما يوجبُ تسيُّد التفكير والمنطق. وإلى أن تصبحَ لازمةُ " الفوهرر يفكّر عنّا " هي النهج الأثير والببغاوية توأمها.

في إحدى جلساته على شرفةِ منزلهم الـمُطلَّـة على جزءٍ من البلدة، حيث ينعمُ فضاؤها بالنسيم العذب المنهمر بسخاء من الـجُّرد. كان حامد يتصفح ألبوم الصور، مر بصورة تجمعه بصديقٍ حميم من أصدقاء طفولته جان ابن الجندي الشمالي الذي كان يلعب معه حين كان والده ضمن عديد اللواء المتمركز في البلدة. ولكن وشائج التواصل استمرت حيّة بين الأسرتَين. تذكَّر حامد يوم أنقذ الطفل جان من الغرق في مستنقع مياه على أطراف البلدة، قَـبَّـلَ الصورة وأعادها إلى الألبوم برفق وعناية. 

بعد تجواله بالخاطر على صُورٍ جميلة من الماضي عاد  به الواقعُ الأليم إلى حاضره الأليم، عاد ليتفَـكَّرَ في حلٍّ لاستبدال كليته الـمُصابة. كـَثـُـرَ المتبرِّعون من شقيقات وأقارب وأصدقاء، ولكن الطبيب المعالج لم يعتمد نتائج التحاليل المختبرية وإجراء الجراحة على أساسها. 

 بعد ظُهر يوم سبت عَرض حامد على أمّه وشققتيه هويدا ورويدا أن  يقوموا بزيارة إلى بيت "عمِّه أبي جان". وفي منزل المضيف بينما كان الفتيان يتحادثان، عَرف جان بأنَّ حامد بحاجة لكلية، وبأنّ حياته في خطر. 

بعد اسبوعين من تلك الزيارة، وبينما كان حامد يجلس على الشرفة، توقفت سيارة في فسحة ترابية تحت منزل أهل حامد، استطلع هويـّة القادم فتعرَّف على السائق ذي الشباب النضر، الذي لاقاه حامد، وقبل أن يصلا إلى باب المنزل كان جان قد أخبر حامد بأنــّه آتٍ ليذهبَ معه إلى المستشفى ليهبه كليته، وأقسم له بأنه لن يراه ثانيةَ إن رفض العرض.

راغت عَينا حامد بدموعِ الإمتنان وأخبرَ والدته وشقيقتيه بالنبأ. اعترضت أمّ حامد ورجت جان ألا يفعل لأنهم يتوقَّعون واهباً آخر اتصل بهم ويتوقعون حضوره خلال أيام. فقال لها جان بأنه هو "الواهب الآخر"، وبأنه أنهى كل الإجراءات المطلوبة للتبرع بكليته، وبأنه جاء لِـيفِـي "أخيه" حامد ديناً لا يمكنه وفاءه بالمال. وذكَّرها بقصة إنقاذ حامد له من الموت غرقاً يوم كانا يسبحان في المستنقع.   

أثناء إجراء العمليـَّـتين الجراحيـَّتين للفتيين في المستشفى؛ استئصال كلية من جسدِ جان وزرعها في جسد حامد، كانت هويدا تحمل هَـمَّ الآتي، وتـُتـَمْتـِمُ بما يجول في خاطرها: "رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمُّكَ يا حامد".

لم يـُفـْتـَحْ بعد باب غرفة العمليّات العريض الأبيض. الثّواني تـَمُرُّ كدهور، رويدا وهويدا تروحان وتجيئان في ردهة المستشفى بعيونٍ دامعة ثم تعودان إلى بابِ غرفةِ العمليات، تبتهلان وتتمنـَّيان استعجال معرفة النتيجة وسلامة الفتيين. 

بعد طول انتظار أُخـْرِجَ الفتيان من غرفة العمليات، هُرعتا لتقبيل شقيقهما وهنأتاه بالسلامة، ثم توجَّهتا نحو جان، أو ما صارتا تعتبرانه أخاهما الجديد.  

   لم يستجب جان لتدابير الإنعاش بالسرعة المطلوبة، استعاد وعيه بعد فترة طالت واستطالت، وحين صحا كان شاحب الوجه، مـُنهكاً، زائغ النظرات يعاني عوارض التقيؤ والإرتعاش والضياع، بقيت رويدا مع شقيقها حامد الخارج للتوِّ من غرفة العمليَّات وتفرَّغت هويدا لمساعدة جان وإسعافه، لم يكن بإمكانه التكلـّم فشكرها بابتسامة رضى، وبترميش بطيء من هدبيه.  

أثناء خروج المريضين، كانت مـمرّات المستشفى، وفقط لمن يستطيع أن يبصر، تشعُّ بنجومٍ تبثّ دفئاً إنسانياً حضارياً أصيلاً نقيَّاً خالصاً، يُومِضُ بإعلاء راية الإنسانية فوق الأديان والمذاهب والعشائر والقبائل والوثنيات الخشبية، ويهفّ هسيسه الناعم بأن كلا من الكلية، كما القلب والدماغ، عضو حياديّ عابر للمذاهب والأديان. وبأن الدم هو الدم في كل أجساد البشر.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق