احدى القصص في مجموعتي القصصية الأخيرة "على صهوة حلم أبيض" مع إجراء بعض التعديلات.
16
يُعيدني الحنينُ إلى بداياتِ البداية، إلى الطّور الباكر لتفتّق براعم الطفولة. أرتحلتُ يومها عَـبْـرَ شراع الـتّوق صوب أعوامي الأربعة الأوَل فأنصهرتُ وجداً لرشف قطرةٍ من رحيق أطياف أحبّـة رحلوا منذ زمن، أعزّهم وأقربهم إلى القلب عَـلـيّ،ابن قريب لنا و رفيق فجر العمر.
لم أكن أدرِك في حينه بأن الموت يحطّم النفسَ إلى ذلك الحد، ولم أكن أعلم بأنّ رحيلَ علـيٍّ الأبدي سيثقلني بقسوته ما حييت، وبأن لا عزاء لي حيال تلك المأساة المبكرة سوى إدراكي لـحـتـمية اللقاء يوماً، يوم يختلط الرميمُ بالرميم.
ليست هي المرّة الأولى التي تستيقظُ بي ذكراه بعدَ كلّ تلك السنين. ولكنها كانت الأشدّ أيلاما.
آنذاك، رجعت بالخاطر إلى فسحةٍ صغيرة أمام بيتنا الطيني في ضيعتنا الجبلية، الفسحةُ عبارة عن نصف دائرة ضئيلة كانت تسمّيها أمّـي مصطبة الدار، يؤطِّـرها جدارٌ حجري بارتفاع قامة طفل في الخامسة وما دون، تُظـلِّـل تربتها المدموكة شجرة توت شاميّ مُعمّرة. هناك كنت ألعبُ مع رفِيـقَـي طفولتي سالم و علي. لم أكن أعرف يومها بأن سالم يكبرنا بحدود السنتين وبأن علياً أصغر مني بحدود السنة، ولكني أذكر تماماً بأنّ زمام قيادتنا، أنا وعلي، كان دائماً بيد سالم الشرس، النزِق، السريع الغضب الذي كنا نخافه، نتضايق منه ولكن دون أن نغامر بالتذمّر الـمُعلَن، أو الردّ خشية انتقامه منا، ولأنه كان يحمينا من الأولاد الآخرين، ولأنه هو "القائد" القاسي الصارم الذي يقرّر ماذا نقول، ماذا نُـغنّـي، متى نسرق البيض، متى نرشق الحجارة على المارّة، متى نعبث بثوب العجوز الضريرة "أم يوسف" و نسرق عكازها ولا نعيده لها إلا بأمر من سالم، ومتى نشتم المارّة، ومتى نلعب ومتى نقعد وأين ومتى نقف.
يعاقبنا سالم بقضيب رمّـان يتسلّح به على الدوام، وإلا فبصفعةٍ على الوجه أو ركلة على المؤخّرة، وبعد معاقبتنا ينطق بقرار محكمته المبجلة: "حكمت عليك المحكمة بالإعدام ألف سنة". وكان حكمه علينا بالإعدام ألف سنة يتكرّر ما تكرّرت أخطاؤنا.
عـُدْتُ في عصر يومٍ من جولةٍ مع سالم وعلي فوجدت أمّي جالسة على المصطبة تـُجَهـِّـزُ العشاء. غسلت يديها، نفضتهما عدة مرات في الهواء لتنشيفهما، ركَّزتْ ناظِـرَيْـها نحو قَدَمَيّ وهي تهمهم بغضب من غفلتي حيال طريقة انتعالي لصندلي، حيث كنت أضع القدم اليسرى في الفردة اليمنى والعكس بالعكس. فأدركتُ بأني مقترف جريمة " الانتعال بالمقلوب" للمرة العشرين ربما.
زجرتني للتقدم نحوها، وحين وصلتُ إلى حيث كانت تقف صفعتني وطلبت مني الجلوس على الإفريز الطيني، أمَرتني أن أَخْـَلَع فَـرْدتـَي الصندل وأن أمدَّ قدمِي اليمنى، لم أجرؤ على الحركة، انتظرتني للحظات لترى فيما إذا كنت قد أصبحت أعرف الآن يُسرايَ من يُـمْـنَاي. نظراتي المرتعبة وسكوني أوحيا لها بأني لا زلت أجهل الفرقَ بين اليمين واليسار، كررت طلبها مني بصوت أعلى فخفت أكثر وارتبكت ثم مدَدتُ إحدى قَـدَمَـي، صفعتني عليها و صرخت بي: "قلت لك الإجر اليمين".
ذات صباحٍ جاء سالم إلى بيتنا مُصطحباً عَلـيّـاً كالعادة ممسكاً بيده ويجرّه خلفه كما يجرّ الجـزّار الشّياه نحو المسلخ، أشار إلي من بعيد فتبعته. وبعد أن غبنا عن نظر أمّـي، ودون أن أتكلّم أو أخطىء شدّني سالم من شعري بعنف وجرّني خلفه إلى أن وصلنا أسفل الزقاق الـمُفضي إلى منزل أهله، تطلّـع إلى الأعلى نحو الجبل المحاذي للضيعة من جهة الشرق ثم صرخ بي : " أنت لا تعرف ما وراء هذا الجبل، ولا هذا الغبي الأبله علي يعرف " تفرّس بوجهي بشراسةٍ للحظات ثم قال : "وأنت أيضاً غبي وأبله"، انتظرَني إلى أن وافقته على توصيفه لي، ثم أصدر أمرَ المهمّة وركض فركضنا أنا وعلي خلفه.
بلغنا منتصف المسافة صعوداً نحو التلَّـة عـَدْواً. كان يُـصرّ على إبقاء مسافةٍ بيننا وبينه ليـميز نفسه عنا فيجري أمامنا بزهو الأقوى، سَبـَقـَنـَا ثم انتَظَرَنا ونَهَرَنا لِحثّنا على الإسراع في الركض، توسّله علـيّ بتذلُّلٍ كي يسمحَ لنا بإكمال المشوار مَشياً لأنّ علياً بدأ يلهث وساوره الإرهاق. تواضع سالم وقـَـبـِلَ التماسَ علي.
هدأ طبع سالم. توسَّطَنا، ألقى بذراعيه على كتف كل منا وراح يروي لنا، قصصا عن شجاعته، يرويها لنا للمرة العشرين ربما، قصصاً عن شجاعته الخارقة، طلبت مني أمي عدم تصديقها، منها معاركه في قتل الضباع والثعابين الضخمة والذئاب والغيلان، وأخبرنا بأن خلف الجبل حافّـة صخريّـة حادَّةٍ هي نهاية الكون، أو "الدنيي" كما كان يلفظها، وعتمة أين منها عتمة ليل قريتنا التي لم تكن شبكة الكهرباء قد وصلتها بعد في حينه.
ملَّ سالم وتيرة مشينا البطيء فانطلق عدواً صوب الذروة، كان يركض صعوداً ويأمَـرنا أن نركض خلفه، وبينما كنا نجري بدا الإنهاك على علـيّ مرة أخرى، واقتعد الأرض يبكي فتوقَّـفتُ ووقفتُ بجانبه. رجع سالم ركضاً وهو يهدِّد ويتوعَّـد وانهال بالصّفع والـرّكل على رفيقي الصغير الذي كان يتوسّله ويحاول الإحتماء بي ولكني خذلته خشية أن ينالني ما يناله، فابتعدت عنهما إلى الخلف رغم تعاطُـفي الشديد مع عليّ وإشفاقي عليه.
بعد هدوء عاصفة غَضْبة سالم و تعبه من ضرب عـَـلـِيِّ، أرغم عـَـلِـيٌّ نفسه على النهوض ووقف مُتنهنهاً بصمت فاقتربت منه بحذر بينما عيناي على وجه سالم ويديه، أمسكتُ بيد عليِّ وتابعنا رحلتنا نحو "حافة الكون" .
بلغنا القمّة حيث الـرّيـح تصهل بجموحٍ في عِـزِّ الصيف، لم نَـــرَ أثراً لحافّـة الكونِ ولا للعتمة اللـتين ذكَرهما سالم، بل تراءت لنا في البعيد قمم أخرى عالية مبقعة بالأبيض. من خلال النظرات البريئة المتسائلة المتبادلة بيني وبين عليّ أدرك سالم بأننا كشفنا كذبته عن نهاية الكون والعتمة فشرع بالتوضيح والتبرير: "هذا الأبيض ثلج" ثم أكمل يهذر ويثرثر دون أن يرفَّ له جفن عن كذبته الطازجة : " أرأيتما كم هي كبيرة "الدنيي"؟ لقد قلت لكما بأنها كبيرة أليس كذلك؟ سايرناه أنا وعلي برأسينا تأكيداً لـ "صِدقِه" .
في طريق عودتنا من الجبل كانت حالةُ علي تزداد تفاقماً، خَذلته رجلاه فحمله سالم على ظهره متذمّراً متـبرّماً، حين يتعب بحمله يطرحه أرضاً ويعنّف ضعفه ويلومه على تكرار اقترافه لخطيئة الضعف والوهن والمرض والسّعال والتّعب ووجع البطن والصّدر. وبينما سالم يلهث ويستريح جالساً على حجر كان يحدجني، أزمُّ جسدي الصغير خوفاً من أن يطلب مني أن أحمل رفيقنا المرهق. لبثتُ أنكمشُ أكثر حين يثابر سالم على رشقي بنظرات شرسة تخترق ما تبقى من أغشية واهية في دفاع عزيمتي. ثابر في إرسال نظراته وثابرتُ في اختبائي خلف انكماش جسدي إلى أن زعق بي : "أحمل قريبك !"
ارتعبت وامتثلت امتثال العبد إزاء سيّده، وما إن صار عَلِيٌّ على ظهري حتى وقعنا معاً فسارع"القائد" إلى ركلنا معاً مستخفّـاً كالعادة بضعفنا وأنهى جزاءه لنا بحكم آخر بالإعدام ألف سنة، وأصدر فرمان مهمة الغد ليعاقبنا بتعليمنا السباحة في المياه الباردة في بركة الضيعة، ثم حمل عـَـلـِيـّاً على ظهره ومشى به مترنحاً فتبعته صاغراً.
بُعـَيدَ المغرب بقليل جاءت أمُّ علـيّ ركضاً تحمل علـيّـاً النائم بين يديها، تُـقَـبِّـله وتُولول، ثم سلّمته إلى جدّتي "طبيبة القرية" ورجتها أن تعالجه بتدليك صدره وبطنه بزيت الزيتون الفاتر "المقروء عليه". اقتربتُ داسّـاً رأسي بين أم علـيّ و جدّتي فرأيت وجهَ علـيّ هادئاً مُحايداً. عيناه ساكنتان مُغمضتان. دلَّـكته جدّتي ورَقَتهُ ولكن الصبيّ لم يفتح عينيه، ولم يصرخ ألَـمـاً كما يفعل الصّغار حين تُدلّـكهم جدّتي، نادته باسمه بصوتٍ عالٍ فلم يستجب. حينها انحنت أمُّـه بسرعةٍ فوقه واحتضنته وغادرت بسرعةٍ مولولة فتبعتها جدَّتي وأمِّـي وهُـمـا تبكيان بصمت.
باكراً جِدّاً في صبيحة اليوم التالي كانت أمّـي تُرتِّـبُ أغراضَ البيت القليلة على عجلٍ بينما هي مرتدية فستانها الأسود ومنديلها الأبيض الجديد. عَرفتُ بأنها بصدد مشوار أو مناسبة، طلبتُ منها أن تأخذني معها وسألتها : "لوين رايحه؟ خذيني معك" فلم تكترث بالردّ علي بل دسّت بيدي "عروسة لبنة" لأتناول فطوري وأوصتني بألا "أتشيطن" وغادرتْ مسرعة.
لبثتُ ملتصقاً بالإفريز الطيني أمضغ لقيمات "عروستي" ، وأنتظـرُ سالماً وعلـيَّـاً كي يصطحبنا سالم ويعلّمنا السِّباحة في بركة الضيعة. أنهيتُ فطوري وطال انتظاري لهما ولكنهما لم يأتيا. خفت أن يعاقبني سالم إن تأخرت عليه فرحت صوب بيت أهله القريب منّـا، والمجاور لبيت أهل عليّ. رأيتُ سالماً يبكي. لم أغامر في استفساره عن السبب لأنه ممنوع علينا أن نسأله. اقتربتُ قليلاً فرأيتُ المكانَ مزدحماً بالنّسوة. أطربني النواحُ الشجي والنّدب النسائي العذب فابتسمت ولكني أطفأت ابتسامتي فجأة وبسرعة حين اقترب مني سالم ليأمرني بعدم التبسم لأنّ علياً مات. لم أقدِّر جيداً في حينه ما قاله لي معتقداً بأن علياً سوف يعود للعب معنا حتى بعد موته. ولم أحسّ بالأسى آنئذ. بعد قليل تحرّك عددٌ من الرجال يحملون على أكتافهم صندوقاً خشبياً مستطيلاً لم أدرك أنّ في داخله جثمان علي. عدت إلى الإفريز الطيني في بيتنا أنتظر سالماً وعَليَّا، ولكنهما لم يأتيا، ولم أرَ عَـلِـيَّـاً بعد ذلك اليوم.






0 comments:
إرسال تعليق