كركوك هزيمة الوجدان الكردي/ كافي علي

قال شاعر العرب ابو الطيب المتنبي: " إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ, فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ.  فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ حقيرٍ, كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ.
هل استغلال لهفة الوجدان القومي عند الشعب الكردي للاستقلال باستفتاء تم رفضه إقليميا ودوليا أمر عظيم أم حقير؟ هل كان مغامرة مهدت الطريق للدولة الكردية، أم مقامرة احتاجها السيد مسعود برزاني لإسكات الأصوات الكردية الرافضة لسياسته والمطالبة باستقالته؟ بغض النظر إذا كان الاستفتاء دولة (حِبر على الورق) قدمها السيد مسعود للشعب الكوردي، أو الخطأ الفادح كما وصفه بافيل الطلباني نجل خصمه الراحل جلال طلباني، فأن نتائجه فرضت السياسة الأمريكية الجديدة في العراق بعد داعش. 
عراق اتحادي ديمقراطي موحد، هكذا صرح وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بعد أن حسمت القوات العراقية المعركة وسيطرت على آبار النفط في كركوك. لتنتهي مرحلة الفوضى الخلاقة، وتبدأ مرحلة كبح إيران، محور الفوضى والإرهاب في المنطقة. ولأن استقرار العراق في إطار حكومة وطنية تشرف عليها امريكا من ضروريات المرحلة القادمة، لا بد من تهميش الزعامات الطائفية والقومية في هذا البلد، ومنع فرضها بالقوة سياسة الدولة داخل الدولة. ولأن زعامة السيد مسعود من ضمن القائمة، منحت تداعيات الاستفتاء أمريكا فرصة تهميشه واستبداله، كما منحتها تداعيات احتلال تنظيم داعش للموصل فرصة تهميش نوري المالكي واستبداله بالعبادي.    
مع دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، غادر مشروع " الشرق الأوسط الجديد" في حقيبة جو بايدن، وحل محله مشروع " أمريكا أولا" الذي أكده الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة. انتهت مرحلة الفوضى الخلاقة لأجل تقسيم العراق والمنطقة على اسس عرقية، تنهي الصراع العربي الإسرائيلي، وتمنح اسرائيل شرعية الاحتلال والتوسع. في الحقيقة لم تعد المصالح الإسرائيلية من أولويات السياسة الأمريكية الجديدة، وهذا يبدو واضحا من الفتور السياسي بين الطرفين. شبح الأزمة الاقتصادية لعام 2007  وعدم معالجة اسبابها أرغم الرئيس الأمريكي على فتح آفاق التعاون مع العرب لتأمين أسواق الطاقة والاستثمار، خاصة بعد دخول روسيا كمنافس لاستثمار الحروب في المنطقة.  ولأن العراق منطقة الأقتصاد الأمريكي في الشرق الأوسط، سعى ترامب إلى عزله عن التحالف الإيراني الروسي وعودته لمحيطه العربي من خلال السعودية، الحليف الاستراتيجي لامريكا.
لم يكن موضوع الأزمة بين إقليم كردستان وحكومة بغداد يقلق السياسة الأمريكية، لكن انشغال حكومة بغداد بأزمات الفساد ومطاردة بقايا تنظيم داعش، وتوتر العلاقات بين تركيا وأمريكا،  والضغط الأمريكي على النظام الإيراني، بالاضافة إلى ازدهار النشاط السياسي في أربيل منذ سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، جميعها أسباب عبدت الطريق أمام  رئيس الإقليم للإعلان عن الاستفتاء. اعتمد السيد مسعود على رصيد علاقاته التاريخية مع امريكا وإسرائيل، وحجم المصالح المشتركة بينهم، ومنها محاربة الإرهاب وبيع النفط لإسرائيل. خدع الخطاب الأمريكي الناعم لمنع الاستفتاء، والتأييد الاسرائيلي المطلق له دهاء السيد مسعود، وفشل في تقييم فعل الاستفتاء وتداعياته كفشل صدام حسين في تفسير رد السفارة الأمريكية حول رغبته باجتياح الكويت. فاته أن يتذكر بأن مصطلحات مثل " الأعداء" أو  " الأصدقاء" لا مكان لها في أروقة السياسة، وبأنها مجرد أوهام للتحكم بالوجدان الجماهيري وقيادته. تورط الزعيم الكردي بالاستفتاء بعد أن خذله الحلفاء وقرر الهروب إلى الأمام، لم يستجب للمنحة الأمريكية ومهلة الانسحاب من كركوك تحت غطاء جوي يحفظ كرامته القيادية، وسلامة قواته من التحالف التركي الإيراني المتربص لفرصة الانقضاض عليهم. ورغم تحدث الإعلام الشيعي الموالي لإيران عن مؤامرات أو اتفاقيات بين الجنرال قاسم سليماني وعائلة الطلباني، لكن التخبط الإعلامي والضبابية في تصريحات القيادات الكردية مؤشرات تمنحنا الثقة الكافية لاعتبارها ترويج طائفي لسليماني وانتصاراته الإعلامية . مهما تكن طبيعة العلاقة بين إيران وعائلة الطلباني فإنها لا يمكن أن تكون سببا لتجاوز العائلة على إرادة الشعب الكردي، أو تحديا لموقف الإدارة الأمريكية من إيران. قوات البيشمركة مثل أي منظومة عسكرية عراقية تابعة لنظام الدولة داخل الدولة،  متآكلة بالفساد والمحسوبية وسلطة العوائل، هربت تلك القوات من القتال مثلما هرب الجيش الطائفي الشيعي لنوري المالكي من الموصل،  وتسببت بإنكسار وهزيمة ترفض جميع القيادات الكردية الاعتراف بها للتخلص من المسؤولية. 
يعاني المجتمع الكردي اليوم صدمة نفسية عنيفة ستؤدي حتما إلى عودة الاقتتال الداخلي، ستكون هزيمة الوجدان الكردي المتورم بالخديعة بعد الانسحاب من كركوك، اخطر ما تسبب به السيد مسعود لشعبه. اكتشف الكرد بعد عقدين ونصف من الزهو القومي ، بأنهم لا يمكن أن يكونوا أكثر من ورقة سياسية تستغلها الدول العظمى متى تشاء، وتتخلى عنها متى تشاء.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق